
أب المقاومة استشهد في يوم عيد الأب، الإثنين 21 حزيران 2005. فبعد أسابيع قليلة من إغتيال الصحافي الشهيد سمير قصير.. تحدث الرئيس الأميركي جورج بوش عن «قائمة إغتيالات» سورية.. بعدها استشهد جورج حاوي.
«أبو أنيس» اللقب المحبب الى قلبه، هو الأمين العام السابق للحزب «الشيوعي« الذي أصبح مناوئاً للسوريين، وقد عمل ضد المرشّحين المتحالفين مع سوريا، في المتن والشمال، أثناء الإنتخابات النيابية، بعكس القيادة الرسمية للحزب.
نعم.. جورج حاوي هو أب المقاومة الحقيقية.. هو الذي أسهم في اطلاق «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية« عام 1982، وفي الوقت نفسه كان رمزاً للدفاع عن وحدة لبنان وعن «مشروع الدولة» الحاضنة لجميع أبنائها، فلا تتحول المقاومة الى عبء على الدولة اللبنانية ومؤسساتها. وجورج حاوي هو من شقّ طريق التواصل بين «بيروت الغربية» و»بيروت الشرقية» وأطلق مبادرات الحوار بين المتصارعين والمتخاصمين. دافع الشهيد جورج حاوي عن ضرورة احقاق الحق في جرائم الاغتيال، وأخطرها تلك التي استهدفت الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه.
خلال عمله الحزبي والسياسي بعد منتصف القرن الماضي، رافق جورج حاوي حراك الدول العربية، فقد عمل في السياسة صغيرا ولطالما رفض الهيمنة والتسلط، وناضل طيلة حياته رفضا للظلم والقهر، وقد أغنت تجربته ثورة 14 آذار فكان واحدا من أبرز مناضليها.
تطل ذكرى استشهاده والمحكمة الدولية لا تغفل في استجواباتها أدقّ التفاصيل ويأمل اللبنانيون بأن يتم من خلالها كشف حقيقة مسلسل الإغتيالات الذي طال خيرة المسؤولين في لبنان، منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري حتى اغتيال الوزير الشهيد محمد شطح.. لا بل حتى قبل هذه المرحلة بكثير، خصوصا منذ سبعينيات القرن الماضي. ليس من باب المصادفة أن يوجّه اللبنانيون أصابع الإتهام الى النظام السوري، هناك حيث القتل العشوائي متوارث والظلم والحقد رهن بالنظام.. و»المراسيل» المفخخة يتم تناقلها بين لبنانيين وسوريين مرتهنين للنظام.
بعد اغتيال رفيقه سمير قصير، تضاعفت مواجهة جورج حاوي لـ»الوصاية» حيث أعلن أن الخطأ هو في عدم ملاحقة «القاتل» كما سمّاه يومها. وكيف يخاف «أبو المقاومة» من مواجهة النظام السوري وهو الذي واجه بشراسة عدوّا أعتى من النظام السوري هو العدوّ الإسرائيلي مرات عدة: يوم احتل جنوب لبنان في العام 1978، وكذلك شارك في الدفاع عن بيروت في العام 1982.
ساهم الشهيد جورج حاوي في تطوير الفكر الماركسي ليتناسب والواقع اللبناني، ما شكّل بالفعل ولادة حقيقية جديدة وجذرية لليسار اللبناني، أعاد إليه تواصله مع كافة طبقات المجتمع وهمومه، وأبعده عن إملاءات الخارج.. إنها أزمة حلحل عقدها مع مرور الوقت بلغته المتماسكة ومنطقه السليم. محليا، بالفكر والممارسة السياسية، اعاد جورج حاوي المسألة الوطنية الى أولويات القضايا العالمية، وعمل على لبننة الحزب «الشيوعي«. أما النظام السوري فقد أعلن حربه على الحزب منذ العام 1987، يومها كان وليد جنبلاط قد دعا المشاركين في المؤتمر إلى غداء في منزله في المختارة ووزّع عليهم كتاب كمال جنبلاط «وصيتي». اعتبر النظام البعثي أن تحالف حاوي وجنبلاط بحضور الأمين العام للجبهة الشعبية جورج حبش في تلك المرحلة هو خروج على الخط السوري، فاغتيل المفكّر الشيوعي حسين مروة وبعد أشهر اغتيل المفكّر مهدي عامل في مجزرة قتل فيها عدد كبير من الأطباء والمهندسين وكوادر المقاومة القريبين من حاوي.
سجّل جورج حاوي مواقف سياسية غير تقليدية خصوصا في المقابلة الأخيرة التي أجراها قبل اغتياله. فكان يملك الجرأة ليعلن أن الجهة التي قتلت كمال جنبلاط هي «أحد أطراف النظام السوري النافذ (..) الدكتور رفعت الاسد هو وراء هذا الاغتيال، وكان يحتل موقعاً أساسياً». وحول اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري قال حاوي يومها «(..) اغتيال الحريري جاء انتقاماً من دور ماضٍ له وخشية دور لاحق في ما يتعلق بالمشروع الاقتصادي ودوره العربي، (..) الا ان ما جرى كان عكس ذلك، إذ هبّ الشعب بأكثريته الساحقة في الإنتخابات وتاريخ 14 آذار شاهد على ذلك«.
وقد وصّف حاوي الوضعين اللبناني والعربي قائلا «النظام اللبناني فاسد، والوضع العربي في اسوأ ايامه». وفي حديث صحافي قال مرة إنه «يجب أن يُبنى البلد بسواعد جديدة من مثقفين ومن عمال وفلاحين، ومن أصحاب إرادة تستطيع فعلاً أن تلتقي لتبنيه». بعد هذه العبارت والرسائل أغمص جورج حاوي عينيه على مقاومته الشريفة فتفتّحت عيون اللبنانيين على مقاومة مزيّفة متحكّمة بمفاصل حياتهم وحياة الشعوب من حولهم..
