إن ننسَ فلن ننسى: حمل إيدي إيلي شهيدا… ثم استشهد

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1511:

إذا وقفت الى حافة الزمن وسألت “يا ظالم ألا تشبع؟ الا تكتفي؟ تخطف الأعمار يمينا شمالا ألا يكفيك ابناً واحدًا فأخذت الثاني وتركت كل هذه النقمة، هذا الفراغ، حزن الجبال؟ ألا تكتفي القضية بشهيد من كل بيت لتلتفّ على الأبناء جميعهم ويصبح البيت “بيت الشهداء”؟ لن يجيب الزمن، إنما تحكي الأيام لتشهد على أن ثمة لبنانيين مسيحيين نسوا ذات عمر احتلال، تعداد أسماء أولادهم لأنهم صاروا جميعا أبناء المتاريس، منهم من عاد ملفوفا بعلم ومنهم من عاشوا ليشهدوا للحياة ولنروي بعضاً من حكايا بعض من احتضنهم علم… كان يا ما كان ليس من قديم الزمان، شابان احتضنهما العلم في بيت واحد، واسمهما إيدي وإيلي مخلوف، هلأ منحكي وبعد شوي سيكتب الزمن وهو عالي الجبين حكايتهما وحكاية آلاف الشباب مثلهما…ولن ننام قبل أن نرويها للأجيال.

هل تستحق القضية كل هذه التضحيات؟ سؤال مشروع عندما يصبح الحزن أقوى من المنطق ومن قبول الواقع. كانوا أربعة اخوة، شابان وصبيتان، مات الأب في عز الصبا وبقيت سلوى الأم لوحدها مع العائلة الكبيرة، إيدي وإيلي ومارسيل وميرنا، من أبناء الحدت، بلدة الـ 1100 شهيد. شِبر ونِدر ربّت سلوى أطفالها، وشبر وندر كان بدأ الاحتلال السوري يقضم لبنان ويزرعه حروباً وانتهاكاً ودماراً.

الأطفال صاروا شباباً وكان صار العام 1975، الحدت محاصرة بالفصائل الفلسطينية المسلحة والأحزاب اليسارية المدعومة والمسلحة من جيش حافظ الأسد، كان الشباب المسيحي بدأ ينخرط في المقاومة المسيحية وكانت الكتائب في البداية، لم يبق شاب في بيته يتفرّج على الاحتلال يزحف في اتجاه المناطق المسيحية بعدما اجتاح نصف لبنان، ذهبوا جميعا الى المتاريس ليدافعوا عن أرضهم بعدما عجز الجيش آنذاك عن أن يكون جيشاً لكل لبنان يدافع عنه في وجه كل هؤلاء، دخل إيلي، الابن الأصغر، مع المقاومة وبدأ يتنقّل من جبهة الى أخرى، وبين الجبهة والأخرى يذهب الى البيت ليقبّل يدي الوالدة التي كبّرت وعلّمت وزرعت في قلب الأبناء كل هذا الحب، كل هذا الانتماء، كل هذا الإيمان بالرب والأرض.

جاءت حرب المئة يوم الشهيرة عام 1978 حين دكّ جيش حافظ الأسد الأشرفية وعين الرمانة والمحيط بآلاف القذائف الصاروخية، ودمّر ما دمّر ليأخذ توقيعا أو إستسلاماً أو إنهزاماً أو إعلان خوف ما أو إنسحاباً ما أو انصياعاً ما ولم يتمكّن. اصطدم بعناد المقاومين، بإصرارهم على المواجهة والنضال لأجل كرامة الأرض والناس. كانت الحدت ومحيطها طريق العبور الى الجبل، هناك حيث تحصّنت الميليشيات اليسارية المتعاونة مع السوريين والفلسطينيين آنذاك، وكانت المنطقة بحصار يومي مطوقة في شكل محكم من هؤلاء، فأنشأ إيدي، الأخ الأكبر، مستوصفاً عسكرياً في الحدت لتأمين الطبابة اللازمة للجرحى ولأهالي البلدة، كما أنشأ وحدة الإسعاف في ثكنة كفرشيما لاحقاً.

استمرت الأوضاع على ما هي عليه حتى بداية الثمانينات حين التحق الأخوان بـ”القوات اللبنانية” مع الشيخ بشير، وتابعاً مع رفاقهما دورات تدريبية مكثفة بعدما افتتحت الثكنات العسكرية في المناطق كافة، فالتحق إيلي بثكنة ميشال حويك كفرشيما ثم انتقل لاحقاً الى الحدت حيث أصبح مفوض قسم الحدت في “القوات اللبنانية”، وكانت المعارك تتنقل من مكان الى آخر، في بيروت والجبل وكل لبنان، وهما يتنقلان معها، وفي البيت قلب مفعم بالرجاء يصلي ليعود الشباب سالمين. جاء حزيران 1982، اندلعت معركة في الحدت لاسترجاع الجامعة اللبنانية من الميليشيات الموالية للسوريين التي حاولت السيطرة عليها واحتلالها تمهيدا لاحتلال الحدت، وانقسمت المعركة الى مرحلتين، الأولى لتحرير الجامعة والثانية لتحرير منطقة العمروسية لتأمين زنّار أمان باللغة العسكرية، للطريق التي تصل الحدت بالجنوب. كان إيلي على رأس مجموعة المهاجمين في الحدت الذين اقتحموا الجامعة، والهدف تأمين طريق للرفاق لتسهيل عملية الاقتحام والتحرير، فعاجله القتلة برصاصة مباشرة في الرأس واستشهد مع رفيقه المناضل جوزف بيطار، لكن تحررت الجامعة والعمروسية أيضا، والمفارقة أن من أخلى المصابين كان أخوه إيدي الذي حمله بين ذراعيه الى سيارة الإسعاف مكللاً بالشهادة ودماء الغار التي تعطّر جسد كل شهيد، وكان في الرابعة والعشرين شبابا.

ستة أشهر بعد استشهاد إيلي، يوم عيد الميلاد، 25 كانون الأول 1982، كان إيدي يستعد للسفر الى فرنسا في رحلة عمل بعدما كانت شهدت المحاور هدوءاً نسبياً، فقرر أنه الوقت المناسب للسفر نحو عشرين يوماً ليس أكثر، ولما أنهى توضيب الحقائب قال لأمه إنه ذاهب الى الثكنة لتوديع الشباب والاطمئنان الى أحوالهم قبل سفره علهم يحتاجون أمراً ما. في هذا الوقت كان الشباب ينفذون عملية عسكرية على جبهة كفرشيما العمروسية ولم يخبروا إيدي كي لا يعدل عن السفر، وصل الثكنة ولاحظ حركة غريبة هناك، لم يتمكنوا من إخفاء الأمر عنه، ولم يتمكن هو من ضبط اندفاعه وحبه لهم، فقرر أن يستكشف لهم الأرض قبل ذهابه ليطمئن قلبه الى أن العملية ستنجح ولن يصاب أحد من رفاقه بسوء، وفي طريقه لاستطلاع المكان، كانت سيارته على مرأى من عيون الأعداء فنصبوا له كمينا واستشهد مع رفيقه بيار ملعب… وسافر إيدي في السادسة والعشرين الى أخيه إيلي حيث لا عمر يحصى بعد السنين إنما بنبضات الحب في جوار يسوع…

“كنا نجرّب ما يكونوا الاخوة سوا وما نبعتن ع ذات المهمة، وبعد استشهاد إيلي كنا نحيّد إيدي عن المهمات الخطرة قدر المستطاع كنا نخاف عليه كتير بس ما قدرنا نبعدو متل ما كنا نخطط لأن الحماس للقضية ما كان إلو حدود عند هالاخوة” يقول بزعل لم يخبو حتى الآن رفيقهما في النضال الدكتور طوني كرم، وزير البيئة السابق، “نحنا بس يستشهد حدن منصير نعدد صفاتو المنيحة حتى ولو ما كان منيح، بس هالشباب ما مرق عليي متلن، انضباط أخلاق عالية إيمان رهيب دماثة أخلاق وكانوا بمواقع قيادية حساسة خسرناهم، ضيعانن بس دايما منقول كرمال القضية وهالوطن لـ ما بيشبع من تضحياتنا”.

ماذا فعلت سلوى الأم باستشهاد ابنها الثاني؟ لن نقول. من يعرف قلب الأمهات لا يمكن أن يصف ماذا حصل للقلب الجريح المدمّر بالحب والفراق، ما زالت على قيد الحياة، وما زالت صور الشهداء معلقة على جدار شغفها، تبتسم وتضحك لكن الظلال حزينة، تبتسم وتضحك… والعنفوان كبير، وحتى في عز الزعل تقول “الله عطى الله أخد هودي أبطال لبنان”… يا وطنا لا يشبع من دماء الأبطال دمائنا، سنبقى نروي حكاياتنا ولن ننعس ولن ننسى…

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسَ فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل