#adsense

ما فيش فايدة يا صفية

حجم الخط

لا يؤرقك الغياب عن لبنان، ولا يدعوك إلى القلق. فعندما تعود إليه من سفر، طال أم قصر، تجده عند “النقطة” التي تركته فيها: أي الغرق في الأزمات “التفصيلية”، من الفساد الغذائي والصحي، إلى قانون السير الجديد، ومعهما فضح تعذيب سجناء سجن رومية، ذي السمعة السيئة، من جهتي المساجين والسجانين، على السواء، وكذلك مخاطر اللجوء السوري إلى لبنان.

هي أزمات “تفصيلية” للناظر من بعد، لأن لبنان يقترب من أن يكون دولة “متحللة”، من مداميك كيانات الدول: رئيس جمهورية طي الأحلام. مجلس نواب يمدد وكالته من دون استشارة موكّله. حكومة ولدت من تسوية مذلة لما تعارفت الأمم على تسميته بالديموقراطية. والتعبير الشعبي “ولا برغي” يكاد يكون أنسب وصف لدولة “الوفاق الوطني”، المنسل من أحلام مؤسسين عجزوا في زمنهم عن أن يرفعوا “حيطها”، ولم يربوا جيلا، أقدر منهم، بل أعطوها أجيالا حولت “اللبنانية” إلى مهنة، مع ما يضمره ذلك من “وهم الشطارة” و”التذاكي الرخيص”، بدل أن تكون هوية وطنية.
تعود لتتأكد أن “ديموقراطية” حزب الأمين العام لم تتغير: هو مع انتخاب الرئيس المنتظر، شرط أن يكون ميشال عون، أو لا أحد. وفي الوقت نفسه، وبـ”ديموقراطية” تكاد تدرّس في الجامعات العالمية المختصة، “يأنف” عن توفير النصاب في جلسات الانتخاب المتكررة.
أين الرأي العام اللبناني؟ مشغول بـ”التفاصيل”، وهي أزمات ومشاكل حقيقية وفعلية، يهتم لها وبها أي شعب في أي دولة، لكنها في لبنان، ومن دون الغرق في نظرية المؤامرة، تبعد الأنظار عن علة الأزمات كلها وهي إسقاط احترام الدستور والقوانين، وتطويعها. كيف؟ باستخدام الإعلام لحرْف الاهتمام الشعبي، وبإلحاح، إلى الفساد الغذائي، مثلا، وإلى تنظيم السير، مع تقديري لهمّة الوزيرين نهاد المشنوق ووائل أبو فاعور. لكنهما إذ يقومان، وغيرهما، بما يجب، يحسن آخرون انتهازه لغاية في نفس الحزب، وهي إلهاء الرأي العام عن جريمة الفراغ في الدولة. وحين يبرد الاهتمام، يخرج “الساحر” شريط تعذيب سجناء رومية إلى التداول، ويتبعه بوثائق “ويكيليكس” جديدة، وغير ذلك كثير.
بين هذه وانشغال اللبنانيين بتدبير عيشهم، وأمور غدهم، ومستقبل أبنائهم، يتسلل اليأس إلى نفوسهم، ليفرض المستقوي بالسلاح عليهم وعلى الدولة، ودستورها وقوانينها، مسارا ليومهم وغدهم “يستنير” بهدي الولي الفقيه، وسلاحه النووي، وحلمه بنفوذ امبراطوري في المنطقة. أما لبنان اللبناني ففي مكان ضائع من لائحة الاهتمام.
“ما فيش فايدة يا صفية”. يكاد اللبنانيون يرددونها بعد الزعيم المصري سعد زغلول، ولا يجدون غير السماء يطرقون بابها بيد تمثال العذراء مريم سيدة بلدة فاطمة البرتغالية. ربما يلجأ آخرون إلى صلاة استمطار الرحمة في إعلان إجماعي عن يأس وطني من حل “بشري” لتغييب الرئيس.

المصدر:
النهار

خبر عاجل