كتبت أوغيت سلامة في مجلة “المسيرة” – العدد 1436:
من محام مطارد ومضطهد لأنه وكيل عن الدكتور سمير جعجع منذ اللحظة التي أوقف فيها، الى عضو مجلس نقابة المحامين منذ العام 2010 ومرة ثانية في إنتخابات 2013 التي حصد فيها دعمًا أكبر بحيث جددّ زملاؤه المحامون الثقة به بعدد أكبر من الأصوات. فهل يمكن أن نهنئه بعد 3 سنوات بمركز نقيب؟
سؤال تبقى الإجابة عليه في المستقبل، إلا أن الأسئلة عن الماضي تعيد الأستاذ سميح بشراوي الى زمن نذر فيه كل قواه ليدافع لا عن الدكتور جعجع بل عن قضية وطن وعن حق المسيحي بالتواجد في هذا الشرق كما يصرّ أن يوصّف نضاله القانوني والحقوقي منذ العام 1994.
شكل جزءًا أساس في نواة فريق الدفاع عن الدكتور جعجع. لكن في رأيه إن أبلغ من ترافع في كل القضايا التي ألصقت به لإغتياله سياسيًا قبل تصفيته جسديًا على البطيء، هو الدكتور جعجع.
في عتمة تلك الأيام الصعبة لم يقطع الأمل. مرحلة صعبة ستمرّ وسيخرج الحكيم ويعود الحق لأصحابه. كان هذا إيمانه. عن المحاكمات ونضال المحامين كانت جلسة إستجواب للأستاذ بشراوي.. وهذا الحوار.
شكلت مع الأستاذ جهاد عبدالله فريق عمل مساعد للأستاذ أسعد أبي رعد للدفاع عن الدكتور سمير جعجع منذ لحظة توقيفه كيف حصل ذلك وهل كان مخططًا له؟
سبق لحظة التوقيف جو ضاغط على “القوات” وكان الكل يشعر أن هناك شيئا ما يحضّر لـ”القوات” وبالتحديد على الدكتور جعجع، فكان تفجير الكنيسة والأقاويل عن إحتمال تعرض الدكتور جعجع للتوقيف حتى تأكدت المعلومات ان التركيز جدي عليه ليخضع للتحقيق. في هذه الأثناء إجتمعنا أكثر من مرّة في غدراس وكانت الأحاديث تدور حول الخطوات التي يجب إتخاذها ومعظم الموجودين كانوا مع خروج الدكتور جعجع من لبنان وسفره لتقطيع المرحلة أما هو فكان حاسمًا، “لا يعُقل أن يترك الساحة ويسافر ويضيع نضال سنوات قدمته “القوات اللبنانية” وشهداؤها، وما تعودنا هيك نفل”. إعتبرها معركة ولو ليست مسلحة وعلى الجبهة إنما كانت معركة سياسية بامتياز.
على أساس كنا نتجه نحو تأسيس دولة، الى أن تبين العكس، أتذكر في 21 / 4 / 94 يوم أوقف الحكيم مباشرة قصدت غدراس مع الزميل يوسف مطر (رحمه الله)، لكن الجيش الذي كان يطوّق المكان أوقفنا على الحاجز ومنعنا من الدخول فعدنا أدراجنا. إلا أننا بعد أيام عدنا والتقينا في منزل شقيقة الدكتور جعجع وكانت المرة الأولى التي نلتقي فيها السيدة ستريدا بعد التوقيف، ومن هناك بدأنا معركة الدفاع الى جانب الأستاذ أسعد أبي رعد أول المبادرين وكان يحمل وكالة من الدكتور جعجع نظّمها له إبان الوضع الضاغط وقبل التوقيف، وبدوره هو منحنا وكالات الدفاع مع باقي فريق الدفاع وعلى رأسهم الدكتور إدمون نعيم والنقيب عصام كرم والأستاذ موسى برنس وجهاد عبدالله وطوني مارديني وآخرين.
بعد تشكيل فريق الدفاع وضعنا خطة وتوزعنا المهام. بعد نحو عشرة أيام سُمح لنا بالمواجهة الأولى في سجن وزارة الدفاع، جلسنا معه من دون عازل، كان في حالة صحية فاجأتنا. كان منهكاً. في غضون عشرة أيام فقد نصف وزنه وبدا شاحبًا هزيلا ما دفع المحامين الى عقد مؤتمر صحافي لفضح ما كان يمارس في حق هذا الزعيم المسيحي وإستنهاض الشارع الذي كان ما زال تحت الصدمة.
يكمل البحث في الذاكرة، يحاول ان يسترجع محطات دوّنها على دفاتر ليجمعها في يوم من الأيام، يقول “المهم أننا في تلك الزيارة سجلنا إعتراضنا وضيفونا شاي لم نشربه. خرجنا ونحن نتساءل كم هو حجم الضغط الذي تعرّض له ليصل الى هذه الحال”.
تعني بالضغط التعذيب؟
ماذا يعني ان يجبر سجين على الوقوف ” فرشخة” لساعات وأيام مكبلا معصوب العينين يداه فوق رأسه؟ ولسخرية القدر أنني اليوم أمثل نقابة المحامين في لجنة الإدارة والعدل في البحث في مشروع قانون ضد تعذيب المساجين.
بعدها وضعنا إستراتيجية للدفاع وبدأ العمل الدؤوب لتكوين فريق دفاع قوامه بين 200 الى 300 محام وهذا موثق للتاريخ في صور للمحامين يدخلون الى العدلية في جلسة المحاكمة الأولى. يومها راهنت أننا سنحصل على البراءة في قضية الكنيسة وهكذا كان.
حكي الكثير عن زياراتكم للحكيم والضغط الذي كنتم تتعرضون له؟
كنا نزوره كل إثنين وأربعاء وجمعة من العام 1994 الى العام 1998 ولن أخبر عما كنا نتعرض له من ضغوط وكان هذا العذاب على قلبنا مثل العسل. تلك المرحلة كانت تعني لنا الكثير، كنا على أساس طالعين من حرب لندخل الى الدولة فجاءت هذه الضربة وألغوا “حزب القوات” وضربوا الشارع المسيحي وقائده وحتى الفريق المسيحي الآخر مع ميشال عون وصار الوضع يستهدفنا كل في بيته او في عمله، ما كان ممكنًا ان يقول الواحد منا أن الدنيا بألف خير ويجلس مطمئنًا في بيته. إذا سمير جعجع في السجن ومعرض في كل لحظة أن يفقد حياته فما المشكلة إذا ناضلنا نحن على هذه الجبهة؟ كنا في جبهة حقوقية قانونية نضالية، وهذا النضال الشريف سيسجله التاريخ وأنا فخور أنني شاركت فيه وغير نادم على شيء وإذا التاريخ أعاد نفسه أعود لأقف الوقفة ذاتها لأننا أصحاب قضية، لا أصحاب مصالح ولا مناصب ولا مواقف ولا نزال حتى هذا التاريخ مؤمنين بهذه القضية، القضية اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان وهذا خط أحمر بالنسبة لنا.
فريق العمل من المحامين كان متطوعًا أم يتلقى بدل أتعابه؟
الغالبية الساحقة من المحامين كانت متطوعة وقلة كانوا يتقاضون بدلات رمزية، أنا مثلا كنت متطوعا وأستاذ جهاد عبدلله كان متطوعا ايضًا، وكتر خيرهم جميعًا أنهم قبلوا الوكالة عن الدكتور جعجع. “ياما ناس هربت، ياما في ناس قريبة لإلنا هربت، ياما كان في ناس محسوبين على “القوات” وفلّوا! نحن لم نكن لا مسؤولين ولا موظفين ولا مستفيدين من “القوات”. كنا مجرد شباب ناشطين ومؤيدين لـ “القوات” وللقضية التي تحملها الا وهي الوجود المسيحي في لبنان.
مرّت سنوات وأنتم غارقون مع الحكيم تناضلون كل يوم ضد تهمة جديدة، ألم تيأسوا؟
القصة كانت تتطلب نفسًا طويلا. هناك أناس فقدوا الأمل وآخرون ضيعوا الطريق.. لكن على رغم كل شيء وطالما الدكتور جعجع في السجن والوجود السوري يهيمن على البلد لا يمكن لنا أن نبقى في بيوتنا مرتاحين وننسى نضال 20 عامًا. هكذا نترك وننسى دماء الشهداء؟ سمير جعجع كان قادرًا على السفر وتقطيع المرحلة لكنه واجه وبقي فهل يمكن أن نتركه نحن؟ لكن للأسف البعض تنحى جانبًا.
بعد العام 1998 سلّمت الشعلة لفريق ثان من المحامين لماذا؟
صحيح بعدنا جاء المحامون الدكتور سليمان لبّس وإيلي لحود، وروبير حداد وريشار شمعون. وفي العام 1999 بدأوا هم يزورون الحكيم في السجن، لكن في هذه المرحلة كنا إنتهينا من قضية الكنيسة وحصلنا على البراءة. كما كانت إنتهت قضيتا داني شمعون وميشال المرّ. وأذكر أنني آخر مرة كنت فيها مع الحكيم كانت جلسة تحقيق عدلي مع القاضي جورج غنطوس في قضية الرئيس رشيد كرامي. يومها دارت مشادّة بيني وبين الضابط المسؤول ليسمح لي بالإختلاء بالدكتور جعجع وجها لوجه، وكان لي ما طلبت.
إلا أنني بعد هذه المرحلة تركت لأسباب إعتبرتها مبدئية وخلاف في وجهات النظر حول خطة الدفاع التي يفترض أن نتبعها في القضية والأشخاص الذين كلّفوا مهمة الدفاع فيها.
كيف كنتم تتناقشون في خطة الدفاع مع الحكيم ما دامت المواجهات كانت دائمًا من خلف زجاج عازل وتحت رقابة الحراس؟
كانت غرفة المواجهة ذات سقف منخفض ليتسنى لأجهزة التنصت إلتقاط أنفاسنا حتى إضافة الى الزجاج السميك الذي كانت الفتحات فيه عالية ما يجبرنا على رفع الصوت ليسمع كل منا الآخر في الطرف المقابل للعازل، كما أننا كنا مراقبين مباشرة أيضا من الحرس خلف زجاج النافذة. إلا أن زاوية واحدة كانت بعيدة عن الأنظار كان الأستاذ أسعد أو أنا أو جهاد نقف مداورة فيها لنشرح للحكيم ما نريد قوله من دون أن يسمعنا أحد بلغة الإشارات، وكل خبر وشخصية كانت له إشاراته، من غبطة البطريرك مار نصرالله صفير الى الرئيس إميل لحود أو السيدة ستريدا…، ناهيك عن لغة الشفاه للتفاهم فيما بيننا لأن الهمس كان يمكن أن يصل اليهم، لكل خبرية في الوضع السياسي اليومي كانت لها إشاراتها. أحيانا كان يصدف أن يكون معنا النقيب عصام كرم الذي يعجب ماذا نفعل ويسأل “ماذا تفعلون؟ ما الذين تقولونه”؟ فيما نكون نحن مثلا نروي للحكيم ما ورد في تصريح للرئيس الهراوي!!.
يضحك ويتابع “كان الدكتور جعجع يسألني: “سميح معك ورقة وقلم”؟ أردّ عليه: طبعًا حكيم. فيقول: “أكتُب: اسم الكتاب كذا والكتاب كذا…”. فأحمل اللائحة وأعود بها الى ستريدا لتؤمنها له. والمضحك أنهم كانوا يمزقون كل صفحة من أي كتاب فيها ذكر لأي تاريخ حتى لو كان يروي بطولات نبوخذ نصر. لماذا؟ لأن التاريخ يتعلق بالسياسة هكذا كانوا يقولون! لم تكن سوى الكتب الطبية والغذائية مسموحة او المجلات الفنية.
كيف كنتم تتعاطون مع الشهود وفي ظل النظام الأمني البوليسي والمراقبة الشديدة التي كنتم تخضعون لها؟
كان الشهود موضوعين تحت مراقبة الأجهزة الأمنية. بعضهم كان مجبرًا على التردد الى مراكز المخابرات خصوصًا قبل الإدلاء بإفاداته من أجل تحذيره من تبديلها بعدما كانت أخذت منهم في خلال التوقيف. لذلك كان من الصعب جدًا الاتصال بأي منهم. ولكن أحياناً كنا نستطيع أن نقوم ببعض الحركة بعيدًا من أعين الأجهزة ومع شهود لم يكونوا أساسيين. مثلاً في قضية الصورة التي قالوا إنها لطوني عبيد ليؤكدوا أنه كان في لبنان وشارك في تفجير كنيسة سيدة النجاة. كانت الصورة مأخوذة في احتفال لمنطقة الشوف في حضور الدكتور سمير جعجع قبل شهرين من توقيفه تقريبًا. وبعد جهود توصلنا الى معرفة صاحب الصورة الحقيقي بعدما كان زار المحامي بدوي أبو ديب عارضًا الإدلاء بإفادته لكشف ما يحصل. لم يكن بالإمكان كشف هوية هذا الشاهد أو رغبته حتى لا يتم التأثير عليه أو احتجازه فبقيت المسألة مخفية حتى أعلن المحامي بدوي أبو ديب خلال جلسة المحاكمة أن صاحب الصورة الحقيقي موجود في العدلية. وقد فاجأ هذا الأمر الأجهزة الأمنية وهيئة المجلس العدلي. فتم الإتيان بالشاهد أمام المحكمة مباشرة وأدلى بإفادته وقال إنه صاحب الصورة وكان أحضر معه الثياب التي كان يرتديها لتأكيد أنه صاحب الصورة الحقيقي. وأذكر أن القاضي فيليب خيرالله رئيس المجلس العدلي توقف كثيرًا عند هذه الشهادة وعند هذا الشاهد. كنا نريد أن نثبت للمحكمة كيف كانت تحصل محاولات تشويه الحقائق. والحق يقال إن المحامي أسعد أبي رعد كان متميّزًا في هذه الأمور ومحركاً لعمل فريق المحامين ومصدر المهارات في القضايا الجزائية التي يبرع فيها.
حصانتك كمحام كانت تحميك من التهديد آنذاك؟
في تلك المرحلة الضاغطة تصوري أننا لم نجد من الحزب من يوقّع لتفويضنا في قضية قرار حلّ حزب “القوات اللبنانية” الى أن تمكنت ستريدا من إقناع أحدهم فتمكنا من تقديم دعوى لنقض القرار. لا يمكن أن نطلب من الجميع أن يكونوا أبطالا بالتأكيد، لكن أنا كنت حريصًا ألا أترك مجالًا لأي نقطة ضعف تمسك علي ولا حتى ضبط سير. ياما مرات كانوا يلاحقونني وانا في طريقي من بيت الحكيم في يسوع الملك بعد لقائي بستريدا لأخبرها بما حصل في الزيارة الى السجن، الى بيتي في أدما فيقطعون عليّ الطريق ويوقفون سيارتي للتفتيش، وبعد أن ينتهوا أشكرهم وأكمل طريقي. لم يكن التهويل ليثنيني عن قناعاتي.
كانت مرحلة صعبة فعلا وعرفنا أن قصتنا لن تنتهي لا بسنة ولا بسنتين الى أن أتى الظرف المناسب في العام 2005. فحجم القضايا التي ألصقت بالحكيم وحلّ “حزب القوات” ومحاولة إحداث الشرخ في صفوف محازبيها كانت كافية ليعتبر البعض أن “القوات” إنتهت ولم يبق مجال لأي مسيحي أن يرفع رأسه. الظرف هو الذي أدخل الكتور جعجع الى السجن وليست شطارة سجانيه والظرف أخرجه. صمودنا جميعًا مع ستريدا جاء نتيجة صموده في الداخل، أنا أعرف تمامًا في أي ظرف كان، وما عاناه.
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.