“كنا هناك” – أنطوان أيوب: أصبت في قرص المدوّر وعندما انقسم الجيش التحقت بـ”القوات”

كتبت كريستين صليبي في “المسيرة” – العدد 1440:

من المدرسة الحربية إلى “القوات اللبنانية” حمل السلاح ليدافع عن الوطن وعلى رغم إصاباته العديدة أبى أنطوان أيوب أن ينسحب من الحرب فأكمل نشاطاته الحزبية وخاض عدّة معارك وحروب إلى جانب رفاق النضال.

يعود أنطوان أيوب في ذاكرته إلى العام 1974 ليخبرنا عن تجربته في الحرب اللبنانية فيقول: “أنا في الأصل من قرية رويسة النعمان لكنني ولدت وترعرعت في الأشرفية، دخلت المدرسة الحربية وبقيت تلميذا فيها حوالى 7 أشهر، وفي آواخر 1975 انقسم الجيش وضعفت الدولة فهربت ومجموعة من التلاميذ الضباط من المدرسة العسكرية لنلتحق بحزب “الكتائب” في ظل قيادة الشيخ بشير الجميل. بداية التحقت بكتيبة “التيوس” في منطقة الأشرفية على المتحف على الجبهة المواجهة لمنطقة البربير حيث مقاتلي “المرابطون” الذين خضنا الحرب ضدهم”.

 

يخبر أنطوان أنه شارك أيضا في حرب الـ100 يوم في العام 1978 التي “خضناها ضد السوريين بهدف منعهم من أن يحتلوا لبنان، آنذاك خطفوا الشيخ بشير الجميل وبدأت شرارة الحرب تمتد وتتوسع على نطاق الوطن”. ويضيف: “في أيار 1982 وبعد توحيد البندقية بقيت في صفوف حزب “القوات اللبنانية” في فرقة سلاح المضاد، وكان في وقتها قد أنشئ حديثاً. تمّ إدخالي إلى هذه الفرقة لأنهم كانوا يحتاجون الى أشخاص متخصصين في استعمال هكذا نوع من الأسلحة إذ لم يكن كل الشباب يعرفون كيفية استعمال سلاح المضاد فيما أنا كنت من طلاب المدرسة الحربية. تمركزت فرقة سلاح المضاد في الثكنة الواقعة في منطقة بلّونة حيث بقيت سنة ونيّف وكانت قد بدأت بوادر حرب الجبل التي حاربت خلالها، كما أنني شاركت أيضاً في حرب الإلغاء”.

آمن أنطوان أيوب بالقضية التي دافع عنها والحافز الأوّل لخوضه الحرب بالنسبة له كان وجود منزل أهله على خطوط التماس: “أردت أن أدافع عن الوجود والكيان المسيحي، كما أن الأشهر التي أمضيتها في المدرسة الحربية خذلت توقعاتي وأملي في بناء دولة تحمي المسيحيين وما عدت متحمساً للاستمرار في هذه المؤسسة بعدما أصبح الجوّ غير مرضٍ وبعد الانقسام الذي حصل داخلها”.

 

 

وعن سبب اختياره حزب “الكتائب” قال أنطوان: “وجدت في الشيخ بشير الجميّل الشخص الذي يمثّل كل طموحات الشباب المسيحي، إضافة إلى أنه في ذلك الوقت أكد لنا “الباش” خلال اجتماع معه أننا سنكون النواة العسكرية لمشروعه السياسي في حال وصوله إلى الكرسي الرئاسي لكن للأسف خسرنا الحلم، لكنني لم أندم على هروبي من المدرسة الحربية ولا على مشاركتي في الحرب”.

يأسف أنطوان على ما عاناه الكثير من المقاتلين القدامى في حزب “القوات”، “ولكن هذا لا يعني أن يقوم بعض قدامى “القوات” بإنشاء حزب ثان يطلقون عليه اسم “القوات”، هم يخرجون أنفسهم من التاريخ ويلغون نضالهم بأيديهم ويخسرون أنفسهم. لا يحقّ لأحد ولا بأي شكل من الأشكال أن يطلق إسم “القوات اللبنانية” على حزب آخر، “القوّات” هي من المؤسّس بشير الجميّل إلى القائد سمير جعجع وما من “قوّات” غيرها”.

لم يخف أنطوان عندما حمل السلاح للمرة الأولى بل على العكس كان مندفعاً ومتحمساً وكان ذلك ينبع من إيمانه بضرورة الدفاع عن عقيدته السياسية والقضية المسيحية متذكراً أن “الدافع الشخصي كان أن نؤكّد لهم أنهم لن يلغونا أو يتجاوزونا بسهولة، وقتها حمل الطبيب والمهندس والمحامي والموظّف والعاطل عن العمل السلاح وحاربوا جنباً إلى جنب دفاعاً عن قضية الوجود”.

يؤكّد أنطوان أن “القوات اللبنانية كانت الدولة على الأرض ولو أكملنا في هذا المسار وساعدتنا الظروف على الاستمرار كنتم سترون ما يدهش العالم منا كتنظيم دولة. عندما وصلت “القوّات” إلى مرحلة تنظيم الكوادر والمؤسسات أصبح مستوى الحزب عاليًا جدّاً، ولكن للأسف عاكستنا الظروف قُتل بشير واعتُقل الحكيم وحُلَ الحزب”.

أكثر الأمور التي لا يمكن أن ينساها أنطوان هي إصابته خلال معركة قرص المدوّر أو ما كانت تعرف ب “تلّة ثلاث تمانات” في 6 أيلول 1983 وقد كانت من أشرس المعارك التي خاضها. قال: “بعد مواجهة صعبة دامت ثلاث ساعات ونيّف ربحنا المعركة واستردينا منطقة قرص المدوّر، وعند انسحابنا عدنا عن طريق منطقة رأس الجبل التي تُعتبر طرقها جبلية ومعزولة وكانت تطلّ على هذه الطرق مباني قصور عاليه حيث كانت مثبّتة بداخلها متاريس للطرف الآخر. أطلقوا النار علينا بغزارة فشرد سائق الملالة واصطدم بصخرة وانقطع جنزير الملالة فتعطّلت. استطعنا تأمين انسحاب الشباب وأمّنا وصولهم إلى المستشفى الميداني التابع لـ”القوات”، بقينا أنا ورفيقي إيلي خوري، تركنا الملّالة في أرضها وركضنا نزولا نحو المستشفى ونحن نطلق النيران باتجاه المباني. إيلي، بحكم طوله، كانت خطواته أكبر من خطواتي فاستطاع الوصول قبلي، أما أنا فتم التركيز عليّ واستطاعوا إصابتي، شعرت بشيء اجتاحني في ظهري أغمي علي ووقعت على الأرض. خرقت جسمي رصاصتا رشاش “غرونوف” واحدة خرجت والثانية بقيت لتمزّق أمعائي”.

كان أنطوان يشعر بأن جسمه ينمّل وأوّل فكرة خطرت له كانت أنه لا يريد البقاء على قيد الحياة في حال إصابته بالشلل. طلب من الممرضة الموجودة في المستشفى أن تأتي بقلم لتمرّره على رجله عندما شعر به ارتاح وتأكد من أنه ليس مشلولا، وبعد عدة عمليات أجريت له تعافى لكنه أبى أن يوقف نشاطه العسكري والحزبي.

 

يأخذ أنطوان إحدى الصور ويخبرنا أنه “في عزّ الخطر والقصف والضرب كنا نقيم احتفالات في الثكنات خلال أعياد الميلاد والفصح والمناسبات الدينية وكان الناس يأتون ليحتفلوا معنا. في إحدى الحفلات التي أقيمت في ثكنة سوق الغرب أحضرنا فنّاناً مشهوراً لإحياء السهرة. كنا دائماً نخلق وننظّم نشطات ترفيهية خلال المناسبات الدينية وهذا كان يساعد على إبقاء معنويات الشباب عالية”.

تزوّج أنطوان من آنا أيوب في 25 كانون الثاني 1984 وأنجب بشير (الذي أُطلق عليه هذا الإسم تيمنّاً ببشير الجميّل) ومرسيلينو. بعد حرب الإلغاء التي أضعفت المسيحيين عمل أنطوان في معمل نجارة كان يمتلكه شقيقه في منطقة الأشرفية كمحاسب وسائق فان ينقل فيه البضاعة وناطور للمعمل في الليل، وفي فترة بعد الظهر كان يعمل سائق سيارة أجرة لكي يستطيع تأمين حياة كريمة لأولاده. وبعد خمس سنوات على مزاولة هذه الأعمال انتقل إلى شركة “سكاب” scap لنقل وتأمين الأموال.

 * لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل