
يتكلمون عن مؤتمر تأسيسي وعن صيغة جديدة للحكم في لبنان وعن تغيير النظام وسواها من مصطلحات ومفردات وينسون الأساس. الأساس اننا نعاني مشكلة ولاء للوطن وللهوية والكيان…
كي لا نعود كثيراً بالتاريخ الى الوراء ونكتفي بالعبر التي تزودت بها ذاكرتنا الجماعية لبعض المحطات الفاصلة من تاريخنا الحديث – نذكر بالآتي:
عام 1958، وقع لبنان بين فكي كماشة الموالين لمحور الناصرية والاخرين الموالين لحلف بغداد. فانقسمت البلاد في فتنة انتهت بمعادلة لا غالب ولا مغلوب … لكن في الحقيقة المغلوب الاكبر كان لبنان الذي شهد تخلي قسماً من ابنائه حينها عنه وعن هويتهم الوطنية.
عام 1975، وبين فكي كماشة الداعمين للكفاح الفلسطيني ومفاعيل اتفاقية القاهرة واطلاق العمل الفلسطيني المسلح على الاراضي اللبنانية ومناصرة فريق من اللبنانيين القضية على ارضهم في مواجهة فريق رفض هذا الواقع… اندلعت حربا اهلية ضروس اكلت الحجر والبشر. فكان لبنان مرة اخرى المغلوب الاكبر والضحية الاكبر، لأن فريقاً من ابنائه رفضوه وتخلوا عنه…
عام 2005، واثر انسحاب الجيش السوري المحتل من لبنان وانتهاء زمن الوصاية ومفاعيل التكليف الاميركي للنظام السوري بعد تحالف حرب الخليج الثانية، انبرى فريق من اللبنانيين يربط مصيره بمصير هذا النظام – وعندما اندلعت الثورة السورية منذ اربع سنوات اصطف هذا الفريق علنا ومن دون اي وجل او خجل او مواربة الى جانب هذا النظام الطاغي – على حساب لبنان ووحدته ودولته وسيادته واستقلاله، فنعلم جميعاً كيف تطورت المواقف منذ ذلك الحين والى اين وصلنا حتى الآن…
نستشهد بهذه المحطات لنؤكد الآتي:
اولاً: ان اي صيغة حكم في لبنان حالية او مستقبلية، لا يمكن ان تنجح مهما نمقت وتزينت وتطورت – ما دام الجوهر غائباً – هذا الجوهر الذي اتى البند (أ) من مقدمة الدستور المعدل عام 1990، ليحاول حسمه باتجاه الموالاة للوطن باشارته الى نهائية الوطن لجميع ابنائه… فالحقيقة هي ان لبنان ليس وطناً نهائياً الى الآن لقسم من اللبنانيين بل اشبه بشركة مساهمة – تتحكم في عقول بعض المساهمين حسابات الربح والخسارة لا حسابات الموالاة واعتناق الهوية والزود عن مصالحها أولاً وآخراً.
ثانياً: اذا كانت الطائفية والمذهبية مشكلة لبنان المعلنة فعدم الولاء للوطن نتيجة طبيعية ومشكلة اكبر بحد ذاتها. وعلى الرغم من العلاقة الجدلية التي قد تكون قائمة بين المفهومين ( الطائفية وغياب الولاء )، إلا ان ما يهمنا حالياً البحث في قوة ولاء اللبنانيين لوطنهم ومفاعيل هذا الولاء على سياساتهم وعلاقاتهم ببعضهم وبالوطن.
اذا كنا عند كل محطة تاريخية او مفصلية غير قادرين على العودة الى كتاب واحد وقراءة كتاب واحد جميعنا، فأي صيغة جديدة للبنان قد تساهم من حيث ندري او لا ندري في تحلل الجسم اللبناني وتعزيز الانفصالية والتمرد على الهوية والتاريخ والثوابت الكيانية ان لم توجد الحصانة الوطنية لدى الجميع والقناعة الكافية والصلبة بأن لبنان للكل وبأن الجميع فيه سواسية – لا فريق للبناني على آخر الا بقدر الولاء للوطن والهوية والتاريخ المشترك قبل اي اعتبار آخر – فالوطن له كما يجب ان يكون هو للوطن لا لاوطان اخرى.
ثالثاً: ان منطق الامور يفضي الى اعتبار ان الصيغ والمواثيق لا تأتي الا تجسيداً لقناعات وعقائد – والحالة هذه – ما هي القناعة لدى فريق من اللبنانيين اليوم الخارجين عن الاجماع والارادة الوطنيين – لنستطيع البناء عليها؟ الى الآن لا نرى فيهم الا فصيلاً ملحقاً بالخارج ويدين بولاء لمحاور اقليمية.
ففي حين رفعت “14 اذار” شعار “لبنان اولاً” كان الفريق الاخر يرفع شعار “شكرا سوريا الاسد” وشعار “جندي في ولاية الفقيه”… والحالة هذه كيف يمكن بناء صيغة حكم جديدة والاساس العقائدي والفكري الوطني غائب؟
هل ان بمجرد استحصال هذا الفريق الموالي للخارج على مكاسب في الحكم سيولد عنده بين ليلة وضحاها تلك الحمية والتعلق الميلو- درامي الى الهوية الوطنية والكيان اللبناني اذي كان حتى الامس القريب – يرجمه ويلفظه ويرفض الانضواء تحت لوائه؟
يوما قالها جورج نقاش ” لاءان لا يؤلفان امة ” – لكن مع تغير الولاءات والقناعات والتاريخ اليوم – نكاد نقول ان “ولاءان في ان واحد لا يمكن ان يؤلفان بلداً ذات شعب واحد”…
فاذا كان تعطيل المؤسسات الفاضح والمفضوح السائرين في ركبه حاليا حقيقة مرة معلومة الا أن الامر والاسوأ ان نسلك باب تأسيس جديد مجهول المعالم والركائز والمستقبل.
