
على الرغم من التجاذبات السياسيّة الحاصلة في الداخل ومحاولات قوى الثامن من آذار إدخال لبنان ضمن دهاليز “المُقامرة” الإقليميّة التي يقودها حلف “الممانعة” بزعامة إيران ومحاولات التعمية عن الإخفاقات والانتكاسات التي يتعرّض لها الحلف نفسه في سوريا والعراق واليمن، يبقى مشهد القتلى “العائدين” في نعوش من الحرب السوريّة طاغياً على جميع الحوادث بما فيها تلك البلبلات والخضّات الأمنيّة التي يفتعلها “حزب الله” وحلفاؤه في محاولة لقلب الصراع إلى الداخل هرباً من المأزق الخارجي.
يوم اندلعت الانتفاضة في فلسطين على يد أطفالها والتي عُرفت حينذاك بثورة “أطفال الحجارة” وبدأت في حينه قوافل الشُهداء تتساقط برصاص الاحتلال الإسرائيلي، أطل الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله في كلمة عبر الإعلام ليقول: “لا نريد أن يأتي يوم ويُصبح فيه قتل الفلسطينيين بالنسبة إلينا أمراً عاديّاً”. يومها لم يكن نصرالله يدرك أن الأمور يُمكن أن تتبدّل وأن النظرة إلى الموت على أنّه شيء عادي يُمكن أن تنتقل إلى بيئته وجمهوره على غرار ما يحصل اليوم لعناصر الحزب الذين يقضون في سوريا.
لا إحصاءات رسميّة مؤكّدة لعدد قتلى “حزب الله” الذين سقطوا في سوريا منذ بداية الثورة ولغاية اليوم رغم أن المعلومات تُشير إلى أن العدد قارب الألفي مُقاتل، ومع هذا لم يخرج عن مؤسّسة “الشهيد” التابعة للحزب أي رقم مُحدّد، بل على العكس، فهناك تلاعب دائم وتفاوت في أعداد القتلى بين ما يُعلنه السيد نصرالله في كل إطلالة وبين ما تؤكّده الوقائع الميدانيّة في سوريا وعمليّات التشييع التي تقوم بها عائلات هؤلاء العناصر، خصوصاً وأن أي مُراقب لسير المعارك التي تدور في القلمون يُمكن أن يُلاحظ أن عددهم وصل إلى مئتين خلال شهرين أو ثلاثة على أبعد تقدير.
هو موت جرى الترخيص له بتوقيع السيد نصرالله يوم أعلن استعداده “التضحية بثلثي أبناء طائفته مُقابل أن يعيش الثُلث المُتبقّي بكرامة”، بعدما عجز عن إيجاد مخرج للأزمة التي أوقع حزبه فيها ونالت منه الجراح وتحوّلت معركته من هجوم إلى دفاع ومن مُتعة “الاستشهاد” إلى كابوس أشبه بكوابيس حرب “فييتنام” تضطره بين يوم وآخر للخروج إلى الإعلام لتوضيح أسباب خسارته عناصر من هنا وتبرير سقوط مناطق من يده هناك، وكأن طبيعة عمله انحصرت فقط في إطار التوضيحات ورفع التهم التي تُلاحق مُقاتليه، وآخرها امتناع عدد غير قليل منهم عن الخدمة داخل النقاط المُتقدّمة.
من المؤكد أن قيادة “حزب الله” تسير اليوم على منهج يقوم على طبيعة التأقلم مع القتل، مُستعيدة من التاريخ عبارات وشعارات نسجتها عقول بشريّة خدمة لمصالحها ومن خلال خلق روايات يُقتل أبطالها في سبيل “القضيّة”، ولهذا تحوّلت كل مجالس الحزب في مناطق نفوذه إلى حلقات وعظ وكلمات أشبه بالمُخدّر تُثمّن وتعُظّم معنى “الاستشهاد” خشية أن تستفيق بيئته على حالها من حالة التأقلم مع الموت التي أدخلها بها حتّى أصبح مرور يوم من دون السماع فيه عن سقوط قتيل أشبه بمعجزة او أعجوبة يجري التداول بها على مساحة القرى والبلدات الجنوبية والبقاعية.
من الضروري القول إن خيار التقسيط في الإعلان عن القتلى الذين يسقطون في سوريا قد أدخل “حزب الله” في مشكلات كثيرة مع الأهالي والعائلات، فمن عادة الحزب أن يتريّث بضعة أيام قبل إعلان سقوط عناصره خصوصاً إذا كان العدد مُرتفعاً كي لا يُحدث صدمة داخل جمهوره، لكن يبدو أن الأمور اليوم قد تبدّلت بحيث صار يُعلن بشكل فوري عن مقتل عناصره، وهذا ما تبيّن بعد تشييعه عشرة من عناصره دفعة واحدة منذ اسبوعين، ستة تم دفنهم في الجنوب والأربعة الآخرون دفنوا في الغبيري يوم سقط الطفل منير حزينة برصاص تشييعهم، وسبب اعترافات الحزب بخساراته أول بأوّل مؤخّراً، يعود إلى إبلاغ عناصره المتواجدين على الجبهات لأهاليهم وأصدقائهم أسماء وأرقام القتلى ومسقط رأسهم لحظة سقوطهم.