إفتتاحية “المسيرة”: هذا هو الفرق

الحرب في لبنان انتهت في المبدأ وفي الظاهر منذ خمسة وعشرين عاماً، لكنها حاضرة بل متفاقمة في مختلف النواحي، دستورياً واقتصادياً وأخلاقياً وبين الحين والآخر عسكرياً وأمنياً بأشكال عدة.

وثمة كثرة تقول: زمن الحرب كان أفضل، لأننا كنا نعرف إلى أين، وكنا نتعايش مع الخوف، وكنا نملك الأمل. أما اليوم فلا نعرف إلى أين، والخوف يعتاش منا، ونكاد نفقد الأمل.

خمسة وعشرون عاماً ونحن نتقدم في الزمن ونتقهقر في كل شيء عداه.

وهذا الأسبوع حلّ موعد الجلسة الخامسة والعشرين، وما زلنا نراوح في الخلاف على الإستحقاق الرئاسي.

والرئيس نبيه بري هو الوحيد الذي “يمسك المجد من طرفيه”. إنه يكاد “يطبق” السنة الخامسة والعشرين رئيساً للمجلس، وسيطبقها بنعمة التمديد، كما أنه الداعي إلى جلسات انتخاب الرئيس لما بعد الجلسة الخامسة والعشرين، وبذلك يختصر “دولته” في شخصه أزمة الدولة والوطن، وبالتأكيد لو قُدِّر له مجال أوسع للمناورة، لفعل، ولكن حسابات حليفه الأول لها الغلبة.

والنتيجة مؤسسات في انحلال تدريجي. لا رئاسة، مجلس يكبّل نفسه وحكومة تعطّل نفسها.

وعند كل طلعة شمس، فضيحة أو ملف أو مسألة سجالية، وآخرها فصول التعذيب المصوّرة في سجن رومية، وهي إن دلّت على شيء، فعلى الإرث البشع لممارسات عهد الوصاية. إلا أن محاولات استغلال مشاهد التعذيب من قبل “حزب الله” ومنظومته الدعائية والإعلامية، فشلت في دق الإسفين بين وزيري الداخلية والعدل، كما فشلت في النيل من صدقية فرع المعلومات الذي يتقدم سائر الأجهزة الأمنية بفعاليته واحترافه وأدائه السليم، ولا بد في أي حال من معاقبة المرتكبين.

هذا المشهد البائس للدولة، بسبب ما تعانيه من استقواء عليها بالسلاح وتداعيات ارتهانه بمشاريع وحروب خارجية، يوازيه مشهد متقدم يعبّر عنه حزب “القوات اللبنانية” ورئيسه.

في معراب وبدفع منها، ورشة دائمة لـ”القوات اللبنانية” تذكّر بما يجب أن تكون عليه الدولة. من المؤتمر الأول للإعلام الإلكتروني في فندق الهيلتون سن الفيل، مروراً بندوة السوق العقاري في فندق مونرو، ومؤتمر “لأنو حياتك أبدى” حول مكافحة المخدرات، إلى مؤتمر خاص بالحكومة الإلكترونية، كلها مواعيد خلال أسابيع قليلة تنمُّ عن رؤية وهدفية وحس بالمسؤولية.

في الموازاة، تم إنجاز إعلان النوايا فيما يتواصل الحوار مع “التيار الوطني الحر”، علماً أن سمير جعجع ما زال المرشح الرئاسي الرسمي لـ14 آذار، وقد قدم برنامجاً للنهوض بالدولة ويتصرّف كرجل دولة.

على أن كل ما تقدم، لا يلغي الأهمية التي يوليها سمير جعجع لاستمرار عملية بناء الحزب، مشرفاً على التحضيرات ومترئساً الإحتفالات بتسليم البطاقات الحزبية لدفعات متتالية بالآلاف.

إنها ليست دينامية رجل يحاول التعويض عن نيّف وأحد عشر عاماً في الاعتقال فحسب، بل هي أيضا دينامية حركة نضالية يقودها مخلصاً لمسارها التاريخي ومتطلعاً إلى الغد بتفاؤل وإصرار يكاد يفقدهما معظم اللبنانيين. وهذا هو الفرق.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل