عشيّة ولادة “المجلس الوطني لمستقلّي 14 آذار”، لا بدّ من التبصّر الهادىء في الخطوة وتقييم معناها واستشراف غدها، بعيداً من الأحكام المتسرّعة والقراءة الموضعيّة والمواقف العاطفيّة المسبقة.
لا شكّ في أنّ لهذه الولادة قابلة، أوحاضنة تُشرف عليها وتعمل على تحقيقها منذ وقت غير قصير.
وهي حاضنة من صلب 14 آذار ونسيجها الأساسي منذ انطلاقة “ثورة الأرز” قبل أكثر من عشر سنوات. ولا يضير “المجلس” عدم انتساب الأحزاب إليه، بل يمنحه حيويّة مضافة خارج معادلة الالتزامات والادارة السياسيّة القائمة على المصالح في السلطة ومراكز النفوذ، والتي تُضطرّ القوى السياسيّة لخوضها.
هذا التحرّر من حسابات السلطة والسعي إليها يجعل “المجلس الوطني” حالة ضروريّة وملحّة لجميع قوى 14 آذار. إنّه التوقيت الأنسب الآن لإطلاق هذه المساحة الحرّة والمفتوحة بين الأحزاب، كي تبقى على تواصل وتفاعل خارج قيود الحصص في السلطة، تماماً كما كانت الانطلاقة الأولى في صفائها وعذريّتها.
وأهمّ ما في إطلاق “المجلس الوطني” هو الربط مع تلك اللحظة التاريخيّة وإعادة إسقاطها على واقع العلاقات المتراخية، لاستنهاض الهمم وشدّ العصب الاستقلالي المتعب.
وليس سرّاً أنّ في أولويّات “المجلس الوطني” تفعيل الطاقات والفاعليّات الاستقلاليّة، وإحياء الرجاء في إيمان الناشطين المحبطين والمبتعدين يأساً أو غضباً من الأخطاء. فإعادة النسيج الاستقلالي إلى تماسكه وثقته وحيويّته، هي مهمّة أساسيّة في هذه المرحلة وفي هذا التوقيت بالذات.
لكنّ التوقيت الموجِب والأهمّ هو السبب نفسه الذي يُؤخذ على “المجلس الوطني”: زمن الارتداد إلى الطوائف والمذاهب وغرق لبنان والمنطقة في الصراعات “غير المدنيّة”.
فلأنّ لبنان والمنطقة العربيّة غارقان في الصراع المذهبي، ولأنّنا في غمرة التحوّلات، يتوجّب تقديم صيغة متقدّمة للعيش المشترك تنتسب في العمق إلى معنى لبنان في حدّ ذاته، ومعنى “14 آذار” كحركة استقلاليّة في حدّ ذاتها.
في هذا المنحى، يكون “المجلس الوطني” أميناً بدقّة على معنى لبنان ورسالته، ومعنى 14 آذار ورسالتها. وكلّ تخلّف أو تشكيك في هذا الأمر، تحت أسئلة تقليديّة من نوع: ما الفائدة وما الدور وما الحصّة السياسيّة وما التوقيت، يصبّان في الاتجاه الانتحاري تحت عنوان الصراع الديني والطائفي. فهذا الصراع ليس قدراً غير مرتدّ، واللبنانيّون غير ملزمين بالاستسلام له.
كان من السهل على المتنادين لتشكيل “المجلس” أن يلتحقوا بمذاهبهم وأحزاب طوائفهم للإحتماء بها، على شاكلة “حزب الله” وكلّ من حذا حذوه، لكنّ السهولة هنا تعني التسليم بفرائض مرحلة عابرة، بدل التأسيس لمستقبل مدني مفتوح يتّجه إليه العالم برغم كلّ مظاهر العودة إلى منطق “الغيتوات” والمربّعات، حتّى في أوروبا نفسها.
قد يقول قائل إنّ جماعة “المجلس الوطني” يسبحون عكس التيّار، وإنّها مسألة عناد شخصي عند هذا، أو بحث عن موقع لذاك، أو ملاذ آمن لباحث عن مكان لجوء، أو تكوين جسم سياسي إضافي. هذا من باب الحكم على السطح والمظهر. أمّا في العمق، فالمسألة تتّصل بمساحة عيش مشترك، بفسحة نادرة للتفاعل مع الآخر في زمن المتاريس، وفرصة استثنائيّة لتقديم نموذج حياة، ليس للبنان والعرب فقط، بل للعالم.
هناك حوارات كثيرة تحصل بين أنسجة طائفيّة، وهي ضروريّة لتمرير مرحلة عواصف، ولكنّها عاجزة حتماً عن تأسيس نسيج وطني. وللحقيقة، وحده الآن “مجلس” 14 آذار يبحث عن هذا النسيج ويؤسّس له. ومن هنا ميزته وفرادته، تماماً كما تميّزت “الأمانة العامة” على مدى 7 سنوات.
تبجّح؟ غرور ؟ طموح صبياني؟ لا يهمّ التحامل. فالانجازات الكبرى بدأت بفكرة، بلعبة، بطرفة، بحلم.
وحين تضيق الأجسام السياسيّة بإرادة المنتسبين إليها، وتغصّ الطوائف والمذاهب بطموح أبنائها ، ويتبرّم المواطن من الدوران في الفراغ، سيكون هناك متنفّس للجميع ومساحة أمل وتجدّد.
ف”المجلس الوطني لمستقلّي 14 آذار” وصْفة لتجديد شباب انتفاضة الاستقلال بأحزابها وجميع مكوّناتها.
حالة تلاقٍ وحوار وتقاوٍ وتناضج وتلاقح وتفاعل بين نخب متحرّرة من الأسر المناطقي والترسيم الطائفي، وقريبة من نبض الناس.
نموذج لكلّ المجتمعات المتنوّعة والمتلاطمة، والتي تبحث عن صيغة حياة واستقرار.
وفي أيّ حال، تجربة إنسانيّة حضاريّة تستحق أن تُعاش، ويُحكم لها أو عليها.
حَسْبُ “المجلس”، حتّى الآن، شرف المحاولة.