#adsense

سجون وساحات – كريم بقرادوني: سمير دخل السجن قائدًا وخرج رمزًا مثل مانديلا. لماذا لا يكون رئيسًا؟

حجم الخط

كتبت أوغيت سلامة في مجلة “المسيرة” – العدد 1437:

مزّقت أوراقي العتيقة وتضرّعت الى الرب في يوم الجمعة العظيمة أن يكون ملف هذه الدعوى هو آخر ملفات الحرب”… هذا مما كتبه في كتاب “سمير جعجع: الحبيس” الذي حمّله مرافعته في قضية إغتيال الرئيس رشيد كرامي ودفاعه عن صديقه سمير حتى الرمق الأخير.

لا يختلف إثنان في لبنان أنه ساحر اللعبة السياسية منذ عقود، لكن قلّة تعرف أنه قلب السحر على الساحر عندما إتُهم بالتعامل مع إسرائيل لإبعاده عن الحكيم الذي “أصبح من الماضي وإنتهى” كما قالوا له! …

كيف جرت رياح الصديقين بما لا تشتهي سُفن حكم الوصاية؟ كل القصة يرويها الأستاذ كريم.

هناك سؤال يتكرّر دائمًا عن سبب توكلك للدفاع عن الدكتور جعجع فيما كنت على خلاف سياسي معه؟

المشكلة أن الناس تخلط بين الصداقة والسياسة. يُمكن أن نكون على خلاف سياسي ونحافظ على الصداقة في الوقت نفسه، ولا يمكن ان نفقد تاريخ صداقة لأننا إختلفنا في السياسة، هكذا نفقد تاريخنا. أعرف الدكتور سمير جعجع مذ كنت رئيسًا لمصلحة الطلاب، عندما كان هو في الصفوف الثانوية او في السنة الجامعية الأولى، هناك فارق في العمر بيننا، خضنا مرحلة طويلة معًا من “الكتائب” الى “القوات” والإنتفاضات… بعدها إختلفنا في العام 1988 في موضوع رئاسة الجمهورية، يومها أنا إعتبرت أنه عندما تقول أميركا وسوريا لنا: “أو مخايل الضاهر أو الفوضى”، لازم نختار الضاهر!! هكذا فرضوا علينا رئيس الجمهورية!! مع ذلك كنت أفضل خيار الضاهر بدل الفوضى التي وقعنا فيها من “حرب التحرير” الى “حرب الإلغاء” وإتفاق الطائف حيث دفعنا الثمن غاليًا. هذا هو خلافي السياسي مع الدكتور جعجع. لكن هذا لا يعني أن كل ما كان قبل العام 1988 قد إمحى.

هناك مثل شعبي لبناني أحبه يقول “الصديق عند الضيق”، وهذا قول حقيقي لأننا نحتاج الصديق عندما نكون في مأزق، أما في الأوضاع العادية فكل الناس أصدقاء وأحباء.

أردت هذه المقدمة فقط لأرد على هذا السؤال الذي لطالما تكرّر والإجابة تكون أحيانًا أبسط مما نتصوّر. أذكر عندما دخل الحكيم الى السجن كان قد مضى 4 أو 5 سنوات على افتراقنا السياسي ومع ذلك كنا نلتقي دائمًا على المستوى الإجتماعي. كنا جيران في غدراس وكانت ستريدا تحب أن تأتي مع الحكيم لتناول العشاء عندنا، صداقتنا لم تتوقف لكن كان واضحًا أن كلاً منا في موقعه السياسي.

 وكيف تمّ توكيلك للدفاع عن الحكيم؟

يومها دخلت ستريدا الى هذا المكتب، قالت لي “الحكيم بيسلم عليك وبيسألك إذا فيك تتوكل عنو بملف إغتيال رشيد كرامي”. قلت لها دعيني أفكر، ردّت “أكيد طبيعي تفكر بالموضوع وتسأل”. قلت لها إنني سأسأل فخرجت من المكتب الى الصالون، كانت زوجتي منى وولداي جهاد وجواد يجلسون هناك. قلت لهم: “ستريدا عم تسأل إذا بتوكل عن الحكيم؟ فكانت إجابة الثلاثة معًا، “أكيد لازم تتوكل”! فعدت الى المكتب وقلت لـ ستريدا “خلص رح أتوكل”. هي ظنّت بالطبع أنني إستشرت مراجع سياسية فقلت لها إن من يجب أن أستشيرهم أي منى وجهاد وجواد موافقون، وأنا قبِلت.

بالطبع أنا لدي شيء من الضعف تجاه ستريدا. فقد عرفتها قبل أن تتزوج، كنت أرى فيها دائمًا قماشة قيادة، تملك طريقة تعامل مع الناس تعطي لكل شخص قيمته. فعوضًا عن الطلّة والشخصية والكاريزما ستريدا تمتاز بشخصية قيادية. حركتها كانت دائمة ولا تقاوم وحبها لسمير مكنّها من مقاومة كل شيء.

لا أعرف لماذا أخذ توكلي عن سمير هذه الضجّة، حتى الآن لم أفهم. ماذا طلب مني الدكتور جعجع غير أن أن ألبس هذا الروب وأدافع عنه في القضاء ونبقى في السياسة كل في موقعه؟ البعض إعتبر ذلك تغييرًا في مواقفي السياسية. على كل حال أنا عندما أرى أن الناس عم تكبر الأمور هيك بتركهم!

ويضحك ونضحك معه نحن الذين نعرف حذاقة الأستاذ.

الضجة التي أثارها توكلك لم تترافق مع مضايقات من قبل أجهزة الوصاية السورية أنذاك؟

لا يمكن أن أقول ان تلك الضجة لم تترافق مع بعض المضايقات، على رغم أنها لم تكن جسدية وتهديدات لكن لا شك أن جوًا لنسمّه “ناصحًا” ساد حينها ” انو شو بدك بهالشغلة انت ما عندك مصلحة مطرح ما هو سمير جعجع. ففي تلك اللحظة كان الحديث أن سمير جعجع إنتهى وأن “القوات” أصبحت شراذم… سمير جعجع صار من الماضي في الحسابات السياسية”. أصدقائي من السياسيين وغير السياسيين نصحوني لكني كنت أردّد دائمًا أن سمير صديق من 20 سنة. والكل سيرى أنني سأدافع عنه حتى الرمق الأخير لكني سأبقى في السياسة حيث أنا. لاحقًا فهمت أن الرغبة كانت أن يظهر سمير جعجع وكأن بيئته تخلّت عنه وأن لا أحد مهمًا يمكن أن يسانده ويتوكل عنه.

لكنك توكلت عن أول وأهم سجين سياسي في تاريخ لبنان، وإتهامه بإغتيال الرئيس رشيد كرامي قضية سياسية بامتياز، ألم يسبب لك ذلك إحراجًا؟

بلى، بلى حصلت إحراجات لكن دعيني أشرح، في الوسط المسيحي إنعكس ذلك إرتياحًا كبيرًا والكل كان يقول لي “برافو منيح اللي عملتا”. كنت حينها نائبًا لرئيس “الكتائب” وبالطبع بعد إتخاذي القرار وبعدما نُظّمت الوكالة لي دعيت الى اجتماع المكتب السياسي في الحزب لإطلاعهم على قراري، لا لاستئذانهم بل لأُعلمهم بأمر قائم. فانقسم المكتب في السياسة بين مؤيد وآخر معارض في ظل جو التشنّج والتلميح على مسؤولية “القوات” في إنفجار بيت “الكتائب” في الصيفي. أما أنا فرأيي كان أن المناخ السياسي مؤآت.

إلا أن الأجهزة الأمنية أرسلت رسائل على طريقتها لأنهم يعرفون جيدًا أنني إذا إتخذت القرار لن أردّ. مثلًا بعد الجلسة الأولى وقف المدعي العام حينها القاضي عدنان عضوم وقال: “الأستاذ بقرادوني هو شاهد حق، ونحن كحق عام مصرون على شهادته”. فورًا اعترض محامو الإدعاء وقال أحدهم ربما بسام الداية “نحن نرفض أن يكون الشاهد محام في الوقت نفسه”. تداولت المحكمة وسألت عن رأيي فقلت أنني لا أجد مانعًا. بعدها توقفت الجلسة وتأجلت، الى أن صدر حكم هو الأول في لبنان يقرّ أنه يمكن للمحامي في أي قضية أن يكون شاهدًا فيها أيضًا، وهو حكم قلّ نظيره إحتاج مني دراسة طويلة وإجتهادات أرفقتها بالطلب الذي أدافع فيه عن وجهة نظري في حقي أن أكون محامي الدكتور جعجع وشاهدًا في ملف اتهامه في آن.

ماذا يعني ذلك غير أنهم ومن أول الطريق حاولوا إبعادي عن القضية بالطرق القانونية بعدما فشلوا بابعادي في الرسائل غير المباشرة.

مثل آخر لمحاولة إبعادي في مرحلة ثانية يعتبر من ردات الفعل السياسية، عندما ترشحت الى رئاسة الحزب العام 1999 شنّت عليّ حرب من قبل كتائبيين والدولة والأجهزة والسوريين… بحجّة “كيف بدكن تجيبوا رئيس لحزب الكتائب عم يدافع عن سمير جعجع؟”، حتى الذين كانوا داعمين لي بدأوا يتراجعون، وبدأ التخويف “ما رح نتركوا يصير رئيس حزب”. وصل الخوف الى درجة أن الذين كانوا يديرون معركتي الى رئاسة الحزب قالوا لي “بلا ما تعمل رئيس حزب هلأ، لاحق. رح تفتح ع حالك مصيبة كبيرة”. وفي الحقيقة سحبت ترشحي، وفاز رفيقنا منير الحاج بالرئاسة. لو حسبتها سياسيًا ما كان لازم إتوكل.

وماذا عن شهادتك؟

دامت شهادتي نحو 3 ساعات لكثرة الأسئلة التي طرحت علي.

خضعت لإستجواب إذًا؟

صحّ، كان إستجوابًا من الجهة المُدّعية والمدّعي العام التمييزي، نبشنا فيها تاريخ لبنان، ومع إستمرار الضغط فتحوا موضوع إسرائيل بطريقة توحي تقريبًا كأنني متهم بالتعامل مع إسرائيل، وكأنني متهم بالجريمة حتى. لم أعد شاهدًا معهم بل متهمًا.بالطبع أنا كنت أتوقع ذلك وحضّرت نفسي تمامًا.

بعد الجلسة زرت سمير في السجن، فكانت الكلمة الأولى منه “خلص أترك القضية، ما جئت لتفعله بالمرافعة أنجزته في شهادتك، بيكفي ما تكمّل. الهيئة مصممين عليك”.

خاف عليك؟

خاف عليّ لكنني أبلغته أنني سأكمل. كرّر “فيك ما تكمّل عطيتني حقي بالدفاع عني في شهادتك… خلص هلأ حمي حالك”.

بقدر ما يشعر الذي يضغط عليك أنك قابل للضغط يضغط أكثر، والعكس صحيح، فبعد قصة إتهامي بالتعامل مع إسرائيل توقف الضغط. ماذا أكثر من هذا الإتهام؟ وصلوا الى الذروة. لكن أنا قرّرت أن أقلب السحر على الساحر وأكملت أنا بدعوى أمام المحكمة العسكرية وقلت لهم “هناك تهمة وأريد أن تحققوا معي وأريد قرارًا، هل أنا متعامل أو غير متعامل”؟. قد أكون اللبناني الوحيد الذي يمتلك قرارًا قضائيًا بعدم التعامل مع إسرائيل..

ويضحك ونضحك معه مرة أخرى ويتابع:

بالطبع أكملت دفاعي في القضية وأنجزت عملي حتى النهاية، إنسحبت مرة من إنتخابات رئاسة الحزب لكنني عدت وفزت بالرئاسة، وحتى قصة إسرائيل لعبتها للآخر!!

أنا قلت حينها أن سمير دخل الى السجن بالسياسة وسيخرج من السجن بالسياسة. وكان هذا الكلام ثقيلا على القضاء. فالدوافع التي من أجلها أدخلته الدولة والسوريون الى السجن كانت سياسية وقلت أن يوم ستتغير هذه السياسة سيخرج من السجن. ولن يخرج بقرار قضائي لأنه لم يدخل في الأساس بقرار قضائي.

الأستاذان روبير حداد وإيلي لحود كانا متفرغين تقريبًا لمساعدتي في القضية وكنا نزور الدكتور جعجع معًا، كنا نقف في الخارج مع أهالي الموقوفين او المسجونين في الوزارة، مرات تدوم القصة ساعة، ساعتين أو أكثر. أو قد ننتظر ولا يسمح لنا بحجة تنظيف السجن مثلاً. كنا نمشي مسافات لنصل الى باب السجن مرات تحت المطر او في عزّ الحرّ… كنت أشعر بشيء من الإذلال. إلا أنني أعترف أن السجّان لم يكن يفتشني كغيري ويكتفي بسؤالي إذا ما كان معي شيء غير مسموح إدخاله. وكان هذا السيناريو يتكرّر 3 مرات أسبوعيًا.

اللقاء مع سمير لا يمكن أن يُمحى. كنا نقابله من خلف حاجز زجاجي، أمضيت سنتين ولم أصافحه مرّة يدًا بيد. في اللقاء الأول رأيته هزيلًا شاحب اللون يمشي على مهل هذا الذي كان إذا مشى على الأرض “ترتّج”، إبتسم عندما رآنا، لكنها كانت إبتسامة حزينة. طبعًا فوجئت وإرتبكت. لكن عندما بدأ بالكلام تبدّل حالي وشعرت أن الجسد منهك صحيح لكن العقل كامل. وهذا كان الأهم.

كنا نعرف أن تلك القاعة كانت مراقبة بالصورة والصوت. أذكر أول جملة قالها لي بالإشارة “كنا فوق وهلأ صرنا تحت،… بس ما تخاف أنا مهدا”. غالبًا ما كنا نتفاهم بطريقة الإشارات ولغة الشفاه، مرة فتح الحارس الباب وقال لنا “وقفوا الحكي”، أنا ما كنت أعتبر الأمور شخصية مع ذلك إعترضت وقلت له  “ليش بدنا نوقف حكي!” ثم نظرت الى طرف الغرفة فوجدت عنصرًا آخر يعمل على آلة التسجيل “تاري خلص الشريط ودخل ليبدّله بشريط جديد”. أوقفونا عن الحكي الى أن بدلّوا الشريط كي لا تفوتهم كلمة!!

ويعود ويضحك لأن شرّ البلية ما يضحك… ثم يتابع:

وثقت أن عقل سمير سيحمل جسده وليس العكس، لأن الجسد لم يكن قادرًا على حمل العقل، وكان يقودنا وهو في السجن ويوزع علينا المهام. أولا كان يسأل الأستاذ روبير عن ستريدا مع أن ستريدا كانت تزوره 3 مرات في الأسبوع لكنه كان يعرف أنها تستعد دائمًا للدخول الى المقابلة معه وهي ضاحكة وكأن كل الأمور بأحسن حال وكل شيء إيجابي. لكن سمير كان يعرف أن صورة ستريدا في السجن ليست ذاتها خارجه، لذلك كان السؤال الأول دائمًا عنها، كما يكلفه بإحضار الورد لها في مواعيد كانت مناسبات خاصة لهما، ويطلب منه الأكل والزنجبيل والصويا فقد وضع لنفسه نظامًا غذائيًا خاصًا.

أما دور الأستاذ لحود فكان متابعة أحوال القواتيين. وأنا كان يطّلع مني على الجو السياسي وكنا نستعمل مصطلحات نتفاهم من خلالها من دون أن نتفق على ذلك، فما كان ممكنًا تحت الكاميرات أن نتكلم عن بشار الأسد لذا تعودنا أن نسميه “فادي إفرام”، أي أبعد ما يمكن لإبعاد الشبهات. (ذلك أن بشار لم يكن قد أصبح رئيسًا بعد وكان يستعد لتسلم السلطة).

وعرف فادي إفرام بذلك!؟

لا، لا هذه المرة الأولى التي أروي فيها هذه التفاصيل. وكنا إذا أردنا ذكر رئيس الجمهورية إميل لحود نسميه باسم قيادي معنا كان يسعى دائمًا ليكون رئيسًا. إستعمالنا لهذه المصطلحات كان يسمح لنا أن نقول تقريبًا كل شيء. أحاديث السياسة والأكل والشباب كانت تأخذ نحو الربع ساعة لنبدأ بعدها عملنا في تحضير ملفنا وكان جاهزًا دائمًأ للتداول معنا في كل نقاط الملف.

فعلا كنت أشعر بمذلّة لكن كان هذا خياري علمًا أنني نُبّهت. الأستاذ إميل رحمة أبلغني عما سأمرّ به في زياراتي الى السجن، ومع ذلك لم أتردّد لأنني أنا بنفسي تطوّعت لهذه المهمة ويجب أن أتحمّل عواقبها.

هذه اللقاءات كانت مفيدة جدا لأطمئن أنه إحتوى سجنه، وكانت أهمية الزيارة 3 مرات في الأسبوع ليخرج معنا من سجنه. وزيارة ستريدا 3 مرات الباقية كانت ضرورية ليخرج عبرها الى الحرية الى الشمس والنور. كنت أشعر تمامًا أنه يعيش لحظات من الحرية معنا،… برأيي هذه المثابرة من قبل المحامين وستريدا أعطته القدرة على الصمود وكل القصة كانت مسألة صمود. هنا كان الإنهيار نهاية، والصمود نجاحًا، بدليل أنه دخل الى السجن قائدًا سياسيًا وخرج منه رمزًا سياسيًا. واليوم قوة سمير جعجع ليست في أنه رجل سياسي بل أبعد بكثير لأنه رمز سياسي، لذلك برأيي إن السجن أخرجه أقوى بالمعنى الفلسفي السياسي.

وأنا كررّت بمرافعاتي أن لا يجوز أن يُحاكم وحده عن كل الحرب، بل يجب أن تفتح ملفات الجميع وتحاكم الحرب أو يطوى ملفها ولا يُحاكم أحد. كيف نعود لمحاكمة شخص واحد كما لو كان مسؤولا عن كل هذه الحرب؟ هذا ظلم. ومن يدافع عن ظلم الآخر لا يدافع عن العدالة فقط، بل عن نفسه أيضًا. كنت أدافع عن المجمتع المسيحي بكامله، لماذا كان المطلوب أن يدفع شخص مسيحي وحده ثمن الحرب؟ عندما نحمّل مسؤولية كل الحرب لسمير جعجع يعني أننا نحمل مسؤولية الحرب للمسيحيين. وبالتالي كنت أدافع عن نفسي، عن صورتنا في التاريخ كمسيحيين. صحيح ما من أحد كان ملاكًا في الحرب، لكن أيضًا لم يكن هناك شيطان واحد فيها.

عندما إنتهينا من الملف أتت ستريدا تسألني عن التكاليف فأفهمتها أنني لن أقبل بأي مبلغ لأنني عندما توكلت كان ذلك للدفاع عن قضية، عن كل المسيحيين، وإلا ما الذي كان سيحملني 3 مرات أسبوعيًا الى سجن وزارة الدفاع؟

أنا في حياتي كمحام دخلت السجن مرتين فقط، مرة على مدى سنتين مع سمير، ومرة واحدة قبلها عندما أوقف غسان تويني في السبيعنات أيام الرئيس سليمان فرنجية، يومها كنا أنا ومخايل الضاهر.

في خضمّ دفاعك عنه هل كنت تتوقع أن يخرج سمير جعجع رمزًا؟

ما من سجين سياسي خرج من سجنه إلا أقوى. في هذا اليوم ومع وفاة مانديلا نتكلم عن تجربة كانت خير نموذج على ما أقول.

وما لا يعرفه الناس أن سرّ سمير يكمن في ميزتين: الصبر والتنظيم. يمتاز بهاتين الصفتين على كثير كثير ممن عرفتهم من القيادات اللبنانية وبصورة خاصة المسيحية. وهذه نِعم كبيرة. الصبر هو الصمود، والتنظيم هو التوظيف والتنمية، لذا سمير لم يخرج أقوى فقط بل بأفق يصنعه هو بنفسه بصبره وتنظيمه.

هل تعتقد أن الرمزية التي أوصلت مانديلا الى الرئاسة يمكن أن توصل جعجع أيضًا الى سدّة الرئاسة قريبًا؟

أكيد لم لا؟ كل الإحتمالات مفتوحة مع أن لبنان ليس جنوب أفريقيا، لكنني أعتقد وبمعزل عن الحسابات الطائفية أن أفضل 4 مرشحين للرئاسة هم: ميشال عون، سليمان فرنجية، سمير جعجع وأمين الجميل. هذه الرباعية المارونية يجب أن يصل أحد منها ليستقر التوازن. ففي الطائف أقرّ التوازن بين السنّة والشيعة والمسيحيين، ولا شك أن السنّة يُمثلون بالأكثر شعبية والشيعة أيضًا، أما عندما نصل الى المسيحيين فيبدأ الكلام عن الأكثر إعتدالا، وعن الرئيس التوافقي، لهذا يجب أن يكون مطلبنا اليوم أن يكون تمثيل المسيحيين بالأكثر شعبية. وهؤلاء الأربعة هم الأكثر تمثيلا لدى المسيحيين. وهنا فرصة للمسيحيين أن يجتمعوا على الفكرة وليس بالضرورة على الشخص. وكل ما بعد ذلك تقرّره اللعبة الإنتخابية والتحالفات السياسية، لكن الأهم أن واحدا من هذا الرباعي الأكثر تمثيلا هو ممثل المسيحيين والرئيس القوي.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل