
تُرى هل كانت الساحة المسيحيّة بألف خير قبل إعلان ورقة النيّات بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر”؟ ألم يشكي 99 في المئة من المسيحيين من مسألة الخلافات المتراكمة من الماضي بين الطرفين؟ ألم تُفقد هذه الخلافات المسيحيين أوراقاً رابحة في كل مفاصل الدولة؟ ألم نكن بحاجة إلى تنظيم الخلاف بين قطبين كبيرين يعتبران الأكثر تمثيلاً على الساحة المسيحية بدلاً من ترك الاحتقان والتوتر في الأحياء المسيحية والجامعات؟
ألف سؤال وسؤال قد يتبادر إلى أذهاننا، وهي اسئلة من الواجب أن نطرحها على أنفسنا اليوم قبل الغد لأن بقاء الأمور على حالها كان سيجعل مستقبل ابنائنا غامضاً! صحيح ان 95 في المئة من المسيحيين وفق احد استطلاعات الرأي أيّد التفاهم بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر”، لكن من وقت إلى آخر، تظهر بعض الفئات المسيحيّة غير المؤيدة لهذا التفاهم، وتتفاوت هذه الفئات وفق الأسباب والأهداف وهي على الشكل الآتي:
– فئة لامبالية بالتفاهم الذي حصل بين “القوات” و”التيار”، رغم انها تحمل يومياً ربابة “النق” على مصير المسيحيين في لبنان، وتكيل الشتائم للزعماء الذين “لا يبادرون إلى التنازل عن مشاريعهم السلطويّة ولا يبادرون إلى الاتفاق في ما بينهم”. وعندما تمّ اعلان النيّات لم تأخذه هذه الفئة على محمل الجد واستمرت بالنقّ!
– فئة بقيت مشككة بالتفاهم وراحت تنبش أفكاراً وتطرح اسئلة عن أفكار وحلول لم تندرج في ورقة اعلان النيات، حتى انها لم تكلّف نفسها الاطلاع عليها، وبلغت في شكّها درجة الالغاء، معبرة بأن “التفاهم لن يدوم وسرعان ما سيعود الحزبان إلى الخلافات”. رغم ان الدكتور سمير جعجع كان واقعياً جداً عندما أكّد ان “اعلان النيّات” ليس سوى بداية للتفاهم يُبنى عليه.
– فئة اعتبرت نفسها متضررة من التفاهم، بمجرد بدء الحوار بين الحزبين، ونظرت اليه بإرتياب لأن مجرد التوصّل إلى قواسم مشتركة واضحة بينهما أمر يسبّب نوعاً من الحساسيّة لهذه الفئة أسبابها سياسيّة انتخابيّة لا أكثر ولا أقل. لذلك دأبت هذه الفئة إلى التصويب على هذا التفاهم معتبرة انها مستهدفة منه.
لعل الدكتور سمير جعجع كان يعرف هذا الأمر مسبقاً، لذلك أكّد في بداية التفاهم انه ليس موجهاً ضد أحد بل دعا الجميع إلى الالتقاء حول سياسات واضحة، إلّا ان الوضع بين “القوات” و”التيار” كان يحتاج فعلاً إلى تنقية الذاكرة وهذا ما حصل، ولا يزال يتوسّع إلى كل المستويات بين الحزبين، الأمر الذي نال مباركة رأس الكنيسة المارونيّة، ويجب أن ينال مباركة جميع المسيحيين المدعوين إلى التقارب أكثر من أي وقت مضى نظراً إلى الأخطار المحدقة بهم من كل الجهات.
لكن فليكن بعلم الجميع ان اعلان النيات لا يعني ذوبان أي حزب بآخر، ولا تزال هناك ثوابت وتكتيكات واستراتيجيات يعتمدها كل حزب، إلّا ان ذلك لا يُفسد في الودّ قضية، إذ أهم ما تحقق- من منظار واقعيّ – التعهّد بالإمتناع عن الرجوع إلى خلافات الماضي ونبش القبور.
واهم ما نتج عن هذا التفاهم هي ورقة “إعلان النيّات” التي جعلته بعيداً عن الطابع الفولكلوري للتفاهمات الثنائية، ويا ليت بعض المشككين والمتضررين يصرفون بعض الوقت في قراءة “ورقة النيّات” والتعمّق بها بدلاً من البحث عن انتقادات وتعليقات من هناك وهنالك، تخفي ما تخفيه من ذبذبات سلبيّة. هل كان مطلوباً بقاء الخصومة بين حزبين مسيحيين كبيرين لتصبح الأوضاع أفضل في لبنان؟ رئيس مصلحة الإعلاميين في “القوات اللبنانية”
