#adsense

استراتيجية الهباء.. الملف النووي الإيراني

حجم الخط

لا تدلّ أخبار المفاوضات الجارية حول الملف النووي الإيراني إلى انتهائها في الموعد الذي حُدّد لها سابقاً، أي في نهاية الشهر الجاري. فالطرفان كانا بالأمس يتحدثان عن “عمل شاق” لا يزال مطلوباً قبل الوصول إلى النتيجة المرجوّة.. وذلك يعني استطراداً، أن الكباش التقني المستمر في غرف التفاوض سيترافق مع تصاعد الكباش الميداني في مسارح الحروب المفتوحة في المنطقة العربية.

ذلك أن قيادة إيران الذاهبة قسراً إلى الاستسلام لخسارتها في الملف النووي الأعزّ على قلبها وطموحها وجموحها، لم (ولن!) تجد أمامها سبيلاً للتعويض عن ذلك الانكسار سوى بمواصلة ادعاءاتها الاستحواذية في الميدان العربي الممتد من اليمن إلى سوريا، من خلال تسعير المواجهة الجارية بالفعل وتصعيد الاستنفار في وجه الهجوم العربي المضاد عليها وعلى أدواتها.. وبما يسمح لها في المحصلة بتجنّب الإجابة عن الأسئلة الكبيرة التي تُطرح وستطرح عليها في الداخل أساساً وفي مقدّمها: سر هذه الاستراتيجية “العبقرية” التي أوصلت البلاد إلى الانهزام والإفلاس من دون تحقيق أي “انتصار” على طريق الوصول إلى مصافّ “الدول العظمى”؟!

المعضلة مع هذه الاستراتيجية أنها مبنية على الادعاء أكثر من الحقائق. وعلى الأوهام أكثر من الأرقام. وعلى الغيبيات أكثر من الماديات. وعلى التاريخ أكثر من الحاضر. وعلى الشكل أكثر من المضمون.

ومشكلتها أنها بدأت باعتماد الخطأ وافترضت أنه يُوصلها إلى الصحّ: اعتمدت نهجاً يقوم على عمودي المذهب والقومية، وظنّت أن الغفلة العربية تبرّر يقظتها الفارسية. وأن الانهزام الإسلامي الأكثري في مواجهة المشروع الإسرائيلي يبرّر لها الشروع في الفتنة وأخذها كإحدى طرق الوصول إلى الامبراطورية المزعومة.. أخذت من سياسة الشاه الآفل، عدّتها وممارستها وشعاراتها، ولم تنتبه إلى تحوّل الزمن واكتمال حدود القوى والأقوام والدول والمعابر والممرات والخطوط الحمر التي تفرضها حقول الطاقة والضرورات الحاسمة لإبقاء شرايينها سليمة ومفتوحة على الضفة الأخرى من الخليج العربي.

والمعضلة، أن قيادة إيران اعتمدت على سلاح ذي حدّين. واحد تتحكم به هي، وآخر موازٍ يتحكّم به كل أخصامها وأعدائها “ومفاوضيها”.. وقصر النظر كان ديدنها ولا يزال: لم تنتبه في الملف النووي إلى أنها ستخسر في الحالتين. إذا نجحت وامتلكت “القنبلة” ستعرّض نفسها للهلاك! وإذا فشلت، وهذا ما هو حاصل (تفاوضيًّا) فإن كل “تضحياتها” واستثماراتها وحروبها وإرهابها ستضيع مثل الهباء المنثور! ولم تنتبه فوق ذلك إلى أن إشهار المذهب وتوظيفه في السياسة وصناعة النفوذ، يوصل إلى ردّة فعل موازية وأكثر حدّة.. مثلما لم تنتبه إلى أن اليقظة القومية المبنية على افتراض دوام نوم الآخرين، هي سياسة تشبه تسلل اللصوص إلى بيوت الآخرين لسرقتها، وعند أول إنذار يقع السارق في الفخّ وتُفكَّ رقبته! وغاشٍ وقاصر مَن ينكر اليوم أن من كان نائماً، استفاق أخيراً! وإن اليقظة العربية المضادّة في ذروة حيويّتها، وطريقها صعوداً وليس نزولاً.

طاشت استراتيجية القيادة الإيرانية بعيداً وطويلاً، ووصلت في لحظة الحساب (الراهن) إلى حصاد لا تُخطئه عين: لا المشروع النووي نجح، ولا الاستثمار في الفتنة المذهبية أثمر.. وكل “أوراق” الميدان المشتعل من اليمن إلى سوريا مروراً بالعراق صارت مثل الجمر في يد الإيرانيين. تحرق وتستنزف، ولا يُعتدّ كثيراً بادعاءات حاملها ومدى قدرته على تحمّل لظاها!

مشكلة الغير مع هذه الاستراتيجية “العبقرية” هي أن أكلافها لا يدفعها الإيرانيون وحدهم!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل