#dfp #adsense

“كنا هناك” – قصة كمين.. نايف أبو أنطون:  يا عدرا خلصيني

حجم الخط

كتبت سيبال رزوق في مجلة “المسيرة” – العدد 1442:

نايف أبو أنطون هو ابن فرزل التي يصفها بالأرض الحديدية. منذ صغره كان يهتم بالسياسة ويتابع أخبار الصحف التي كانت تأخذ حيزًا كبيرًا من اهتماماته. خلال أحداث العام 1975 كان صغيرًا على الحرب. منذ أن بلغ نايف سن الرشد كان متحمسًا جدًا للانضمام الى صفوف المقاتلين ولكن على حد قوله كان بحاجة الى حافز للقيام بهذه الخطوة. عند بدء المعارك في زحلة في العام 1981 قال له أحد رفاقه “عامل حالك زحلاوي ولا تحرك ساكناً بينما زحلة تتدمر”؟ هذه الجملة حفرت في وجدان نايف وكانت كافية لأن تحثه على المشاركة الفعلية في الحرب.

قرر نايف ومجموعة من أصدقائه في المدرسة الالتحاق بسلاح المدفعية، بما أنه لم يكن لديهم خبرة في القتال. كانت مهمتهم في المرحلة الأولى من تجربتهم نقل الذخيرة ووضعها في المدافع وقد شاركوا في حرب زحلة من خلال المرابض المتواجدة في عيون السيمان وكفرذبيان.

عندما وضع الشيخ بشير جميل برنامج التجنيد الإجباري خضع نايف لدورة عسكرية، وبعد مرور سنة على التحاقه بالمدفعية انتقل الى ثكنة “المضاد للدروع” التي وجد فيها عناصر جديدة ومشوقة لفتت انتباهه. السلاح كان مؤلفاً من فرق عمل صغيرة ومن أشخاص أكملوا تحصيلهم العلمي وبدأوا باختصاصات جامعية متعلقة بالمواد العلمية، كما كان يقتضي أن يتمتع أفراده بلياقة بدنية وقدرة على اجتياز الوديان وتسلق الجبال. خضع هذا الفريق لدورات وتدريبات خاصة مثل الطوبوغرافيا والتزلج العسكري… كذلك كانت تتميز هذه المجموعة بامتلاكها لسلاح حربي مميّز ومتطور جدًا يصنع في فرنسا وألمانيا هو سلاح مضاد للدروع يعمل على إطلاق صواريخ من مسافات طويلة مع القدرة على التحكم بها بعد إطلاقها. وهذه الصواريخ تستهدف الاّليات الحربية والدبابات.

شارك نايف في مهمات عدة وعلى جبهات كانت تختلف بحسب الأحداث السائدة. خلال أحداث الجبل العام 1983 وبعد أن استلم الدكتور سمير جعجع قيادة قطاع الجبل تم اختيار مجموعة تألفت من أربعة أشخاص من سلاح المضاد للدروع ليكونوا سلاح دعم الى جانبه. عندما توجه نايف ورفاقه الى الجبل لم يكن من السهل عبور المناطق ومواجهة تشنج الشارع وأهالي المنطقة للوصول الى بحمدون. كان مركز فصيلة “المضاد للدروع” حينها  في منطقة “كفرعميه” حيث لقي الشباب هناك ترحيبًا كبيرًا من أهالي القرية وكانت تجمعهم بهم علاقة مودة واحترام متبادل.

بقي نايف لمدة سنة يخدم في نفس المقر مع الحكيم وكان الوضع الميداني مستقرًا الى أن قرر الجيش الإسرائيلي الانسحاب من الجبل في 3 أيلول 1983 حينها طُلب من هذه المجموعة  التوجه الى منطقة بحمدون حيث كانت المعركة تشهد أشد الاشتباكات. في هذه الفترة سيطرت “القوات” على كل التلال المشرفة على المنطقة وتجمع الفلسطنيون والسوريون و”الحزب التقدمي الاشتراكي” ليشكلوا قوة هجوم على تلك الجبال بغية السيطرة على الجبل. بذلت “القوات” مجهودًا كبيرًا لصدّ محاولات التقدم وقاومت تحركهم الى أن طلب الحكيم من إحدى مجموعات المضاد للدروع المؤلفة من نايف أبو أنطون وطوني عنداري وشوقي الزغبي وغسان بعقليني مغادرة محور أوتوستراد صوفر والتوجه نحو القيادة في بحمدون من ثم الى موقع استراتيجي مختلف في قرية بحمدون. تولى العنداري قيادة السيارة وكان الزغبي يجلس بقربه ونايف على الطرف الآخر بينما كان بعقليني في الخلف. انطلقت السيارة الرباعية الدفع المكشوفة من مركز القيادة متوجهة الى الموقع المحدد، وبعد عدة أميال تفاجأوا بوجود عشرة مسلحين يقطعون الطريق أمامهم فاضطر العنداري لإيقاف السيارة قبل حوالي مترين من المسلحين. عند توقف السيارة قال أحد المسلحين: “شو الشباب؟ وين رايحين الشباب”؟ لمس نايف في طريقة حديثه نوعًا من الاستفزاز والسخرية “فار دمي، وما ارتحت لوجودهم”.

وبدأ نايف في تمييز ملابسهم وإذ هم يرتدون ملابس مدنية ومختلفة “بلحظة برم راسي شي 100 برمة” إذ كان يتساءل:  من هؤلاء؟ ويحاول السيطرة على أعصابه والتحكم برد فعله وتصرفه تجاه هذه المواجهة الغريبة التي لم تكن في الحسبان. بينما كان يحاول نايف التعرف إليهم لاحظ أنهم يضعون شارة بيضاء على يدهم عندها تأكد أنهم غرباء وليسوا من “القوات” وبأنه كمين محضّر. فقرر أن يباغتهم قبل أن يقوموا بتحرك صوبهم فمد يده بهدوء من دون أن يلفت النظر وأمسك بسلاح الكلاشن الذي كان مجهزًا بالرصاص في بيت النار لكن على “الأمان” فوضعه على ال”أوتوماتيك” وصرخ حينه نايف لرفاقه قائلاً: “انتبهوا سوريين”! وبدأ نايف باطلاق النار وأصاب اثنين منهم ورد الاّخرون بإطلاق رصاص كثيف على السيارة. كمية الرصاص الهائلة التي كانت موجهة نحو السيارة أدت الى مقتل السائق طوني العنداري على الفور فسقط من الجيب على الأرض. شعر نايف بشعلة نار في بطنه فأدرك أنه أصيب برصاصة دخلت من بطنه وخرجت من ظهره تاركة ثقبًا كبيرًا قرب العمود الفقري. حينها قفز من الجيب وبدأ يركض في الاتجاه المعاكس المؤدي الى مكان القيادة حيث كان يتواجد الحكيم وبعد أن تجاوز الثلاثة أمتار شعر نايف بدوار شديد بسبب حدة النزيف فسقط على الأرض. يصف نايف هذه اللحظة قائلاً: “صرخت من كل قلبي يا عذراء خلصيني! وشعرت بيدًا مسكتني بيدي وانتشلتني عن الأرض. كأن العذراء استجابت لصلواتي وحملتني ورفعتني عن الأرض”. بعدها أكمل نايف الركض فالتقى بجيب آخر من “القوات” فصرخ قائلاً: “انتبهوا انتبهوا في كمين”. توقف قائد الجيب جوزيف أبي خليل ليعود أدراجه وإذ به يتلقى رصاصة في رأسه. وتابع نايف الركض وهو يصلي متوقعًا أن يستشهد بدوره. أخيرًا وصل نايف الى مركز القيادة وقال لرفاقه: نصبوا لنا كميناً وكل رفاقي ماتوا! بقي نايف في القيادة لحوالي 12 ساعة من دون أي عملية جراحية والنزيف مستمر. في تلك الليلة قرر الحكيم الانسحاب الى دير القمر وانسحب نايف أيضًا ونقل الى المستشفى حيث خضع لعملية جراحية من دون أي بنج.

يحكي نايف أيضًا عن حادثة مؤثرة حصلت بينه وبين رفيقه طوني العنداري قبل بدء المعركة. بعد أن تجهزوا ولبسوا ثيابهم العسكرية قال له العنداري: “نايف إنت تضع درعًا وطاسة أما أنا فلا أضع شيئاً”. أعطاه نايف الدرع “هذا الخيار خلصني”! يقول نايف. حين أصيب في بطنه اخترقت الرصاصة جسمه بكامل سرعتها وزخمها فخرجت من ظهره بينما لو كان يرتدي الدرع لكانت خفت سرعة اختراق الرصاصة ومزقت أحشاءه.

يقول نايف “الله قدّر مشاركتي مع رفيقي بالحماية”.

في المستشفى كان نايف يعتقد أن رفاقه الثلاثة استشهدوا كلهم إلاّ أنه علم لاحقاً أن شوقي الزغبي الذي كان بين العنداري وبينه لم يصب على رغم كثافة الرصاص بعدما استطاع القفز من الجيب بعد مغادرة نايف ولجأ الى بناية قريبة ليحمي نفسه.

خلال تواجد شوقي في البناية المطلة على الجيب كان يرى رفيقه غسان بعقليني مصابًا ملقيًا في الجيب لكنه كان ما يزال على قيد الحياة، بينما واصل المهاجمون السوريون استهدافه من بعيد فسقط على الأرض وأختبأ تحت السيارة. كان بعقليني في حال حرجة يغيب عن الوعي ثم يستفيق وكلما ينظر الى جثة رفيقه العنداري يبكي. بعد فترة ساعة بين الوعي واللاوعي تناول الزغبي مطرة الماء شرب منها القليل، ثم تناول قنبلة من جعبته فتحها وضعها تحت بطنه وفجر نفسه. بعد كل هذه الأحداث التي توالت بشكل سريع وصلت مجموعة من “القوات” الى مكان الكمين وأنقذت شوقي الذي دلهم على مكان تواجد السوريين فطوقوهم واستهدفوهم جميعًا.

الصور: نايف أبو أنطون – طوني عنداري – حصار دير القمر

* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل