افتتاحية المسيرة: أنظروا الى معراب

أيريد البعض التقدم أو العودة إلى الماضي؟

ليس في العالم ديمقراطية حقة من دون أحزاب. ولا يمكن في مثل هذه الحالة إيصال طروحات وأفكار إلى حيّز التحقق من دون الإنتماء إلى حزب والتبشير بها والتسويق لها من خلاله. فالفردية في العمل السياسي تبقى حالة استثنائية ولا يمكن أن تتبلور عملياً إلا من خلال مجموعة، إلا إذا كان البعض يريد العودة إلى الإمارة والإقطاع.

قوافل الرفاق ولا سيما من الشباب تتقاطر إلى معراب لتسلّم بطاقات الإنتساب لـ”القوات اللبنانية”. وفي كل احتفال، تنويه وإعجاب ولدى البعض استغراب لمدى الحماسة والإلتزام وحسن التنظيم، وهي مزايا عرفت بها “القوات” على مدى تاريخها. لكن منسوبها يرتفع في ظل المقارنة بالفوضى الناشبة في لبنان على مختلف الصعد، على مستوى الدولة والمؤسسات والسياسة والأمن والإقتصاد والفساد والتفلت من القانون.

أجل، هذه هي “القوات” وبخاصة عندما يكون رئيسها سمير جعجع.

كانوا يتهمون “القوات اللبنانية” بأنها كانت دولة في موازاة الدولة وفوق الدولة خلال الحرب. وما كانت تفعله القوات هو ملء الفراغ الذي تركته الدولة بعد تفكك مفاصلها وانهيار مؤسساتها، حتى أصبحت المناطق الشرقية آنذاك أشبه بمونتي كارلو الشرق كما وُصفت، واحة أمان وازدهار كان يتمنى المواطنون في المناطق الأخرى زيارتها أو الإنتقال إليها.

والمفارقة أن “القوات” كانت الأكثر التزاماً، ومن بعيد، بتسهيل عودة الدولة بعد الحرب، على رغم كل ملاحظاتها واعتراضاتها التي أودت بالحكيم إلى الإعتقال. وها هي اليوم تؤكد أكثر فأكثر على منطق الدولة، بينما يصرّ “حزب الله” وجماعته على التصرّف وكأن لا دولة إلا في الشكل، علماً أن التحرير أُنجِز، وان الحزب يشارك في المجلس النيابي وفي الحكومة.

“القوات اللبنانية” اليوم تمثل نموذجاً يُحتذى، بل ونتمنى لو أن الدولة تصبح على شاكلة “القوات” تنظيماً وانضباطاً والتزاماً وأداء باحترام نفسها لنفسها. لن نقول إن “القوات” اليوم دولة، بل مثال لنجاح المؤسسة الحزبية التي تتخطى الشكل إلى الجوهر، علماً أنهما يتكاملان فيها.

“القوات اللبنانية” اليوم تمثل الكثير من لبنان الذي نطمح إليه. لديها رئيس أثبت قدرته القيادية في مختلف الظروف، فلا يخشى قمعاً واعتقالاً ولا يغرّه موقع ، بقدر ما يهمّه أن يكون لبنان مساحة حرية وديموقراطية وسلام وتنوّع وازدهار. وحينها يحصل كل مواطن على حقه من دون منّة، وتستوي الديموقراطية بحياة حزبية راقية تتنافس فيها الأفكار والمشاريع.

أنظروا إلى معراب، إنها خلية نحل، وفسحة حوار وتفاعل وغنى على مختلف الصعد السياسية والفكرية والإقتصادية والثقافية والفنية… هل هذا كلّه من صنع شخص واحد ، أو من صنع مؤسسة تثق بمن يقودها، فلا تغرق في عبادة الشخص أو في همّ التوريث، أو في المزايدات، لأنها مؤسسة بالتأكيد للمستقبل ونحو المستقبل.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل