روح الفكاهة في زمن الحرب

الحرب قاسية جداً، اليمة لياليها، لا تنتهي، خصوصاً خلال المعارك العنيفة وعند استراحة المحارب يضاف جو من المرح في بعض الأحيان لعله ينسي المقاتلين المشدودي الاعصاب وحشية اللحظة ويزرع على ثغورهم ضحكة وان كان الثغر لم يتعّود على الضحك او نسيّه منذ زمنٍ بعيد.

في ليلة كانونية من العام 1976، في جبهة الاسواق التجارية، كان البرد قارس والامطار الغزيرة تغرق الشوارع التي سدت قنوات الصرف فيها بسبب تكدس النفايات والرمال، وإذا بأحد المقاتلين في بناية على الخطوط الامامية اراد أن يستريح في غرفة خلفية وهي خالية من الاثاث ومحروقة من جراء المعارك الاخيرة، حيث اشعل في “تنكة” نشارة الخشب للتدفئة. وما هي سوى دقائق وسقط في سبات عميق، وإذا بأحد رفاقه الذي يتمتع بروح النكتة يدخل الغرفة التي هي من دون باب ويربط حذاء رفيقه النائم ببعضه بواسطة شريط الحذاء العسكري، ويضع امامه وعاء كبيراً فيه ماء.

وبعد الانتهاء، دعا رفاقه الذين يسترحون ويصرخ “لقد وصلوا” بصوت عال وهنا يستيقظ المقاتل النائم ويمتشق سلاحه الذي بجانبه، واذا به يهم بالوقوف والجري ولكن يسقط في وعاء الماء “الطشت” وهنا تعلو ضحكات رفاقه يقطعها صراخه وسبابه.

في أحد الجبهات الجبلية كان هناك أحد المقاتلين الجدد الذي لم يكن قام بعد بدورة اختصاص اشارة، و كان لديه في المركز جهاز PRC 25  ( جهاز راديوي عسكري يحمل على الظهر). قامت غرفة عمليات الجبهة بمناداته وكان هناك تشويش قالت له “روح طلاع سريع” اي بالمعنى التقني هناك زر خاص ينقل الموجة بسرعة إلى أخرى . فأذا به يحمل الجهاز و يركض به نحو التلة وعند عودته سأله رفاقه: لماذا كنت تحمل الجهاز وتصعد التلة راكضاً؟ أجابهم لقد قالوا لي : “روح سريع”. وهنا علت الضحكات وسط ذهوله وبعدها افهموه الدرس الذي لم ينساه ابداً، واصبح في ما بعد من المع رجال الاشارة.

 

انه العام 1987، وخلال دورة للقوات الخاصة في ثكنة عمشيت لـ”القوات اللبنانية” حيث الضباط والعناصر يتشاركون الدورة سوياً، كان أحد الضباط المشاركين ثورياً ولديه افكاره الخاصة، وهو صحافي متمرس ولكن افكاره وخطابه السياسي كان يزعج البعض وليس لديه من صديق سوى قلة من الضباط رفاقه. فكان أن اتفق رفاقه على أخذ قميصه الحمراء اللون والتي كان يرتديها عندما يأخذ استراحة قليلة،  علقوها على السارية خلف العلم.

وفي الصباح تفقد ثيابه، فأذا به يكتشف أن قمصيه مفقود وهنيهات دق النفير لرفع العلم واصطف الجميع كلٍ في فصيلته، ورفيقنا يسأل عن قميصه والجميع يضحكون سراً. وها هو آمر الدورة يصرخ “تأهب إلى العلم”، والجميع يحيون العلم ويرفعه العسكري المولج بذلك، فأذا به يشاهد قميصه ممزقاً مرفوعاً على السارية. و ما ان انتهى رفع العلم والانصراف حتى قهقه الجميع والضحك يطغى على كل ما عداه من امور أخرى. وهنا لاحظ آمر الدورة الامر، ونال الجميع العقوبة ولكن حتى اليوم لم يعرف من علق القميص على السارية. واصبح رفيقنا في ذلك الوقت عند كل حديث يسأل عن القميص ومن فعل هذا الشيء حيث اصبحت سيرة  القميص متداولة و لقبوها “بقميص عثمان”، و اكيد ليست بمعانيها.

انه معهد بشير الجميل غوسطا معهد الضباط، في ليلة “خميس السكارى” طلب تلامذة ضباط القوات الخاصة اذناً للعشاء في مطعم “ربعة زينة” عشقوت، حصلوا على الاذن ولكن شرط أن يكونوا في اليوم الثاني في صفوفهم  كالعادة. ذهب الجميع للعشاء وانتهت السهرة قرابة الرابعة، وعند دخول المعهد للنوم للوقت المتبقي للرياضة الصباحية، صرخ أحد التلامذة الضباط “إلى السلاح” أي استنفار. وكان هناك الدورة السادسة والسابعة كادرات، وما هي سوى لحظات حتى نهض الجميع وشبكوا السلاح في ساحة الاجتماع، وهم ينتظرون قائد المعهد ليلقي عليهم اوامره التي هي اوامر القيادة، ولكن ليس من أحد وهنا صعد تلميذ الخدمة ليوقظ ضابط الدوام ليعطيهم الاوامر. ففوجئ التلميذ بأن ضابط الدوام نائم، وهذا شيء غير طبيعي. اوقظه، وقال له نحن في ساحة الاجتماع ننتظر الاوامر. تفاجأ ضابط الدوام بالأمر وهرع راكضاً إلى غرفة الاشارة ليسأل هل هناك من برقية استنفار من المجلس؟ ليجيبه عامل الاشارة كلا لا يوجد. و هنا نزل ضابط الدوام و تلميذ الخدمة إلى ساحة الاجتماع ليشاهد الدورتين السادسة والسابعة في استنفار، ولكن هناك دورة القوات الخاصة غير موجودة وهم يغطون بنوم عميق، ليكتشفوا انه “مقلب” من قبلهم عند عودتهم من السهرة. وهكذا نال هؤلاء الشياطين عقاباً لا يرحم، ولكن كلما تذكروا الواقعة كانوا يضحكون ويضحكون وهؤلاء الضباط بعد تخرجهم اصبحوا فيما بعد نخبة النخبة في “القوات اللبنانية”.

انه العام 1990، وكانت المعارك في المنطقة الشرقية على اشدها، ولكن كان دائماً هناك روح من النكتة لإضفاء جو من المرح رغم قساوة الظروف. كان أحد الضباط قائداً لإحدى الجبهات والتي كانت دائماً مشتعلة وهو دائم الانشغال إذ لديه على جبهته حوالى 500 مقاتل وهناك ضابط صديقه يعمل في التحصينات على الجبهة،  ويستطيع ان يكون لديه من وقت لإخر فسحة من الوقت، وكان دائماً يدعوه إلى عشاء او غداء في مطاعم الاشرفية او مناسبة اجتماعية ولكن قائد الجبهة لا يلبي دعوته بسبب انشغاله الدائم.

ولكن في أحدى المرات، اصر هذا الضابط على دعوة صديقه إلى حفلة عرس لضابط، وهو صديق مشترك، وكان الوضع الامني هادئاً. اتفقوا على الذهاب إلى حفلة العرس، ولكن لم يرد قائد الجبهة أن تمر هذه العملية بسلاسة. اوفد صديقين يعملون معه إلى مقر قيادة صديقه واعطاهم “نيل” الذي كان يستعمل في غسل الثياب في ما مضى ليعطي البياض لوناً ناصعاً. وقال لهم: تدخلون إلى غرفته وتضعون مكعبات النيل في الدوش الذي كان على شكل “المرشة” وتغادرون الغرفة، وهكذا تم الامر.

عند الساعة التاسعة من تلك الليلة بدأ قائد الجبهة يطلب صديقه على الهاتف الميداني و كان عامل الاشارة جوابه انه يأخذ دوش. حسناً بعد ربع ساعة عاود الاتصال وكان الجواب هو ذاته. عندها تيقن ان المقلب قد حصل. وعند الساعة التاسعة والنصف اتصل وهذه المرة كان الصوت مرتبكاً مما يدل على ان شيئاً حصل ولكن التقوا في النهاية وذهبوا إلى السهرة، وكان هناك صديق مشترك على علم بهذا الامر وهو يضحك في السر إذ ان هذا الاخير اخبره الضابط انه تعرض لشيء مجهول وهو بينما كان يأخذ دشه وكان يغمض عينيه من الصابون وعندما فتحهما صعق إذ ان لون المياه ازرق، و المياه الزرقاء تغطيه كله ارتعب وضهر مسرعاً وهو يأتزر بمنشفة وصعد إلى السطح ليرى ما هو موجود في الخزانات ولكن ذهل اكثر لأن المياه طبيعية. و عاد واكمل حمامه في دوش أخر. انتهت السهرة و لكن كان ” ابو النيل” مذهولاً وأخذ يسأل هل الحبر يسمم؟ وكان الجواب كيف ذلك.

انتشر الخبر في كسروان كما تنتشر النار في الهشيم بين الضباط. إلى أن بعد  انتهاء حرب الالغاء، كان هناك اجتماع في مبنى الاوبرلي تحضيراً لعرس الحكيم وكان الاجتماع لتحديد مهام كل كتيبة من “القوات”، القوات الخاصة في حماية مكان العرس. و للصدفة كان يجلس الضابطان قرب بعضهما، وقبل انعقاد الاجتماع، قال رئيس الاجتماع وهو يضحك:  “لقد نيّلك فلان”. لم يستوعب الامر في البداية. أجاب من دون تفكير “انه لا يعملها”، ولكن بعدها التفت إلى صديقه “هيدا انت يا  ….”، وهكذا ضحك الحاضرون لفترة غير قليلة من الوقت.

نعم كانت هناك ايام مرحة رغم القتل والدمار، حيث كان المقاتلون يخلقون فسحة من الامل مكللة بالضحك وذلك ليشعروا بأنسانيتهم وينسوا ظروفهم الصعبة وليعودوا من جديد لإكمال مهامهم علهم يبقون احياء إلى زمن يستطيعون أن يضحكوا و يتذكروا الماضي.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل