#adsense

885 ألف طفل في لبنان ضحايا العنف الجسدي والنفسي

حجم الخط

 

كشفت دراسة أجرتها منظّمة “كفى عنف واستغلال” بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية، أنّ 885.000 طفل في لبنان ضحايا العنف النفسي، من بينهم 738.000 يتعرّضون للعنف الجسدي و219.000 للعنف الجنسي. فما هي أشكال العنف المختلفة؟ وكيف تؤثّر في نفسية الطفل؟ وما هي السبل الوقائية التي يمكن إتّباعها للحدّ من العنف بأنواعه المختلفة؟

زاد الحديث أخيراً عن العنف الذي يطال الأطفال بأنواعه المختلفة، أو أقلّه لم يعد التطرّق إلى هذه المشكلة التي تفتك بالمجتمعات وتخلّف آثاراً نفسيّة واجتماعيّة سلبيّة محرّماً أو “عيباً”.

فمن الواضح أنّ المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، ومنظّمات المجتمع المدني الناشطة في مجال حقوق الانسان وحقوق الأطفال، قد ساهمت في نشر التوعية وخفّفت بالتالي من وطأة المشكلة، لكنّها لم تتوصل إلى إلغائها كليّاً. فما هو العنف ضدّ الأطفال؟ ما هي أشكاله؟ مَن هم ضحاياه؟ وكيف يؤثّر في نفسيّتاهم وفي التركيبة المجتمعية؟

للإجابة على هذه الأسئلة وغيرها الكثير من التساؤلات التي تقلق الأهل، كان لـ”الجمهورية” حديث مع الاختصاصي في علم النفس والمسؤول عن قسم علم النفس في منظّمة “حماية” الدكتور وسام قطيط.

 

1- ما هو العنف ضدّ الأطفال؟ وما هي أشكاله المختلفة؟

– تصف مجلة Journal of Child Abuse and Neglect سوء معاملة الأطفال، بأنه “أيّ فعل أو امتناع عن فعل صادر عن أحد الوالدين أو المربّي أو أيّ راشد، وينتج عنه موت أو أذى جسدي أو عاطفي أو سوء معاملة أو استغلال جنسي”. وبالتالي فإنّ العنف ضدّ الأطفال هو أيّ فعل أو امتناع عن فعل يعرّض الطفل لخطر قد يصيبه بضرر جسيم.

وأشار إلى أنّ جمعيّة “حماية” تميّز بين أربعة أنواع مختلفة من العنف، هي:

أ – العنف الجسدي: المتمثّل بالضرب، الصفع، الهزّ بعنف، الدفع، الخنق، العضّ، الحرق، الركل، التسميم، الربط، نزع أظافر اليدين و/أو الرجلين، شدّ ونزع الشعر، الإتّجار بأعضاء الجسد، إستعمال آلات حادّة للضرب، معاقبة الطفل من خلال تركه لفترة طويلة في أماكن باردة أو تحت أشعّة الشمس، الخطف، التفجير…

ب – الإهمال: نعني بذلك إهمال حاجات الطفل الأساسية المتمثّلة بالمأكل والملبس والمسكن والنظافة، وتأمين الرعاية الطبّية والعلميّة. جعل الطفل يعمل في أماكن تؤثّر سلباً في نموّه وصحتّه، وتركه من دون رقابة في أماكن خطيرة برفقة غرباء أو بوجود أدوات وألعاب خطيرة، بالإضافة إلى حرمانه من المشاركة في نشاطات تساعد على نموّه، وتعاطي المخدرات والكحول خلال فترة الحمل…

ت – العنف النفسي: المتمثّل بالإهانة، الإذلال، التهديد، الإحتقار، الرفض، مصادرة الرأي، تجاهل رغبات الطفل، العزل، الإستغلال العاطفي، التهديم المعنوي، التمنين، تحميل الطفل مسؤوليات تفوق قدراته، التناقض العاطفي، إشراك الطفل أو إسقاط المشكلات الشخصية – الزوجية – الأسرية عليه، ومشاهدة برامج تلفريونية أو إجتماعية مؤذية له، التمييز العنصري والجنسي، الصراخ، الخجل من الطفل، خرق حرمة وحريّة الطفل، استخدام الطفل لأهداف مادية…

ث – العنف الجنسي: المتمثّل بالإعتداء الجنسي على الطفل أو التحرّش الجنسي عبر الانترنت أو عبر الملامسة أو تصويره لغايات إباحية. استخدام الطفل في السياحة الجنسية، الإتجار بالطفل، نعته بمفردات جنسية، كسر حميميته من خلال مشاركته في الإستحمام والنوم. إجبار الطفل على مشاهدة أفلام إباحية ومداعبة أعضاء الراشد الجنسية، واستعمال المداعبة الجنسية الكلامية.

إجبار الطفل على ارتداء ملابس مغرية لإشباع رغبات الراشد الجنسية. إستفزاز مشاعر الطفل الجنسية عن طريق ألعاب تساهم في إثارة مشاعره الجنسية. إهمال الخصوصية الزوجية الجنسية وممارسة الجنس أمام الطفل وعلى مسامعه…

 

2- كيف يؤثر التحرّش في نفسيّة الأطفال؟ وهل يؤدّي إلى ظهور حالات إجرام لاحقاً؟

– التأثيرات النفسية الناجمة عن العنف كثيرة، أبرزها: الصعوبة في التركيز، اضطرابات في الذاكرة، رسوب وتغيّب مدرسي أو العكس، إضطرابات في النوم، اضطرابات غذائية، إضطرابات نفسيّة (وسواس قهري، أمراض نفسيّة)، إهمال وإحتقار الذات، إضطرابات في تطوّر الهويّة الذاتية – الجنسية، شعور دائم بعدم الكفاءة والفشل وبعدم القدرة على الدفاع عن النفس. الإستمتاع بتعذيب الذات والآخر، ظهور سلوكيات عدائية، إنخراط ضمن جماعات مناهضة للمجتمع وقيمه، التلفّظ بتعابير تتخطّى سنّ الطفل.

الخوف من التواصل مع راشد، قلق، ضغط نفسي، نوبات عصبية، شعور بالذنب والعار، نشاط مفرط، عوارض اكتئاب، إنطواء على الذات، محاولات إنتحار، فقدان الثقة بالذات والآخرين. بالإضافة إلى اضطرابات في مراحل النموّ (تأخّر في النطق، تأتأة، خرس إنتقائي، صعوبات في التعبير).

 

3- هل يؤدّي العنف ضدّ الأطفال إلى ظهور حالات إجرام لاحقاً؟

– لا يوجد أيّ إثباتات علمية تدلّ بشكل حاسم على ترابط بين تصرّف إجرامي لاحق (بمعنى الاجرام) نتيجة عنف عاشه الشخص في طفولته. لكن هناك ما نسميه ونعرفه بـ”التماهي بالمعنّف” كآلية دفاع، إمّا بالقيام بنفس الفعل العنفي، أو بتقليد شخصية المعنّف جسديّاً ومعنويّاً، أو باعتماد رموز القوّة التي يتميّز بها المعنّف.

 

4- لماذا يسكت الأهل على تعرّض أطفالهم للتحرّش أحياناً؟

– بعض الأهالي يسكت على العنف بسبب الخوف من العار ومن خسارة المعتدي إذا كان أحد أفراد العائلة، أو الخوف من الفضيحة، أو بسبب الجبن.

5- كيف نساعد طفلنا على البوح بتعرّضه للتحرّش؟ وهل من خطوات يمكن اتّباعها للحدّ من التحرّش والعنف؟

– يمكن مساعدة الأطفال على البوح بتعرّضهم لمحاولات تحرّش أو للعنف باتّباع خطوات واضحة، نذكر:

  • خلق جوٍّ أسري حاضن وآمن وثابت القيَم والمفاهيم وواضح الأدوار، بعيداً من العنف.
  • التعرّف الى حاجات الطفل والتواجد الفعّال في محيطه ومراقبته عن بعد.
  • تأمين مساحة خاصة للطفل لللعب وللتعبير عن حاجاته واحترامها، وإحترام خصوصيته.
  • تشجيع الطفل على التعبير عن مكنوناته وتصديقه والإبتعاد عن الحكم عليه.
  • تشجيع الطفل على قول “كلا” وعلى الدفاع عن نفسه.
  • تعزيز ثقة الطفل بنفسه وتحميله مسؤوليات تتناسب مع سنّه، وتشجيعه على اتّخاذ قرارات تتعلّق بمرحلة نموّه العمرية، وتحذيره من الثقة بالغرباء.
  • مساعدة الطفل على بناء هوية مستقلة وحلّ مشكلاته بنفسه، وبلوغ حدّ من الإستقلالية يتماشى مع سنّه.
  • استيعاب ردود فعل الطفل وتفهّمها ومعرفة أسباب حدوثها وأبعادها.
  • الإبتعاد من استعمال أسلوب التسلّط للتحكّم بالطفل، ومعرفة حقيقة أنّ هناك اختلافاً بين قيَم الطفل وقيَم الأهل ووجوب احترامها.
  • الإبتعاد عن أسلوب الإستجواب، التضخيم أو التصغير، الإحتقار، التمييز، الإنتقاد، المديح والتدليل المفرط، التسخيف، التخويف، القمع، التحجيم.
  • ضمان التوعية الجنسية للطفل ضمن معايير خاصة بمرحلة نموّه العمرية.
  • لدى تعرّض الطفل لحادث معين يجب الوقوف إلى جانبه ودعمه وتجنب تحميله الذنب أو تحويله إلى ضحية مدى حياته، أو الشعور بالخوف من أحكام المجتمع على العائلة.
  • اللجوء للإستشارة الطبية أو للمعالجة متى شعر الأهل بحاجة إلى المساعدة، أو بوجود إضطربات سلوكية مستجدة عند الطفل.
  • الإبتعاد عن الطفل لدى شعور الأهل بالغضب أو الإيضاح له بأنّ غضبهم غير مرتبط به.
  • تجنّب إدخال الطفل في المشكلات الزوجية والأسرية.
  • تجنّب إدخال الطفل في مشاعر وقرارات متناقضة، أو التلاعب بمشاعره وقراراته.
  • الإبتعاد من استعمال تعابير مسيئة للطفل حتى ولو كانت بداعي التعبير عن العاطفة.
  • تجنّب إشراك الطفل في مشاهدة أحداث أو أفلام لا تتناسب وعمره.
  • إعطاء الطفل أرقاماً هاتفية تساعده على التواصل مع راشد قد يؤمّن له الثقة والحماية عند الحاجة
  • تجنّب شراء علاقة وطيدة مع الطفل من خلال تأمين الهدايا أو اللجوء إلى الاستغلال العاطفي.

 

6- في الختام ذكرت السبل الوقائية، التوعية الجنسية، فما هي أهميّتها؟ ومتى يجب أن تبدأ؟

– العلاقة مع الجسد تبدأ منذ الصغر، وعلى الأهل التكلّم عن موضوع الخصوصيّة واحترام الجسد عندما يصبح الطفل قادراً على الإستيعاب بمفهوم الخصوصيّة وأنّ “جسمه هو ملكه وحده”. كذلك، على تطوّر الذهنيّة والسلوكيات، والإطار الإجتماعي والقضائي والإعلامي في مجال الهويّة الجنسيّة، إضافة الى المعرفة العلميّة أن تقود إلى تشكيل إرادة عامّة بتطوير التربية الجنسية في المحيط المدرسي كمكوّن أساسي في بناء الإنسان والتربية المواطنيّة. كذلك، تحت العنوان نفسه وعلى المستوى ذاته، على العائلات التحلّي بالشجاعة والمعرفة العلميّة والحسّ الجيّد، من دون أن تضخّم بشكل دراماتيكي سلبي موضوع الهويّة الجنسيّة.

وتلعب المدرسة دوراً مهمّاً – في إطار رسالتها التربوية وبالتتمة مع الدور الأول الذي يلعبه الأهل – في التوعية الجنسية عبر تحمّلها جزءاً من المسؤوليّة في تحضير الأطفال وإعدادهم لحياتهم المستقبليّة كراشدين. فالتربية الجنسيّة تتضافر وبطريقة خاصّة مع التدريب في بعدها الفردي كما في بعدها الإجتماعي.

وهذه الآليّة الوقائية بنّاءة إذ تساهم في تخفيض مستوى الخطر وتعمل على تدريب الأطفال لمواجهة العنف أو التعرّض لإيحاءات جنسيّة، أو مشاهدات جنسيّة. وتساعدهم على مواجهة الأحكام المسبقة المتعلّقة بالأمور الجنسيّة المعتّم عليها، أو رهاب المثليّة الجنسيّة. وعلى هذه التربية الجنسية ألّا تمسّ بأيّ شكل من الأشكال المعتقدات الدينيّة وعادات العائلة وتقاليدها، لكن يجب أن تنضوي في إطار المرافقة السليمة للطفل نفسيّاً وجسدياً.

المصدر:
الجمهورية

خبر عاجل