“كنا هناك” – جوزف غريّب: يا بحرية هيلا هيلا

كتبت كريستين صليبي في “المسيرة” – العدد 1443:

شهادات المقاومين كُتِبت بالعرق والدم اللذين رويا أرض لبنان في معارك الدفاع عن الوطن والكرامة. من مقاعد الدراسة في مدرسة الحكمة – الأشرفية إلى صفوف القتال في حزب “القوات اللبنانية” يروي جوزف غريّب عن تجربته الخاصّة في الحرب اللبنانية.

يبدأ جوزف حديثه عن بداياته في الحرب اللبنانية فيقول: “بعد انتهاء السنة الدراسية الأخيرة التحقت بالخدمة الإجبارية كإحتياطي في الجيش اللبناني ضمن كتيبة الرادار. كان شقيقي منتميا إلى حزب “الأحرار” في أوائل الحرب أما أنا فلم أكن منتسبا لأي حزب، لكن أحد زملائي في الاحتياط كان منتسباً إلى حزب “الكتائب اللبنانية”، وكنت أهرب مساء معه لنشارك في القتال على جبهة مونو التي كانت تتولاها فرقة “الصخرة”، وكانوا يستعينون بي لأنني كنت قد تدرّبت على استعمال السلاح في الجيش. بعد إنهاء خدمتنا كل ليلة على جبهة مونو كنا نعود في الصباح الباكر إلى الثكنة الواقعة في شارع بدارو قبل بدء التعداد الصباحي. مع انتهاء سنة الاحتياط انتسبت إلى حزب “الكتائب” واستلمت أحد المراكز في شارع مونو”.

يتابع: “بعد القتال على جبهة مونو انتميت إلى فرقة “الصخرة” التي كانت تتولى مهام حماية الشيخ بيار الجميل. حاربت مع المدرّعات في العام 1976، وقمنا بدورة مكثّفة على استعمال الدبابات Super Cherman وهذه كانت أوّل مرّة يأتون بالدبابات إلى الحزب. كما قاتلت من خلال المدرّعات في تلّ الزعتر، وصاليما، وكذلك في منطقة بدادون وضهر العين والمتحف، ثم بدأنا ندرّب الشباب من مختلف المناطق على استعمال الدبّابات. بعد سلاح المدرّعات انتقلت إلى سلاح البحرية وهنا بدأت رحلتي الفعلية مع المقاومة اللبنانية”.

عن تجربته الأولى في حمل السلاح خلال المعارك يقول جوزف: “لم أخف عندما حملت السلاح في أوّل معركة شاركت فيها خلال الحرب لأنني كنت قد قمت بمعموديات نار في الجيش، وساعدتني دورات التأهيل في الجيش على استعمال السلاح والتأقلم معه. من يحارب لا يخف أو بالأحرى يجب القول إن من يذهب إلى المعركة لا يفكر إن كان سيبقى على قيد الحياة أو سيموت لأننا نحارب من أجل قضية وندافع عن فكرة تحثّنا على النضال”.

ويروي أكثر اللحظات التي لا يمكن أن ينساها المقاوم هي تلك التي يصاب فيها. يقول جوزف: “أُصبت مرّتين في خلال الحرب. المرّة الأولى في شارع مونو عندما خرقت رصاصة رجليّ الإثنتين خلال إحدى المعارك، أما المرّة الثانية فكانت بعدما فصلونا كفرقة في سيارة لمرافقة الشيخ بيار الجميّل وعندما كنا في منطقة الصيفي انهال علينا القصف بالهاون من عيار 120 ملم فأصابتني شظية في مرفقي”.

لم يندم  جوزف غريّب على خوضه الحرب وسيشارك فيها لو حصلت مرّة ثانية في حال سقوط الدولة. لكنّه يجزم “لو كان لدي إبن لما شجّعته على خوض الحرب لأنني أخاف أن أخسره، فالحرب تشبه لعبة الحظّ إن ذهبت إلى المعارك يمكن أن لا تعود وأنا لن أتحمل خسارة أحد أفراد عائلتي”.

يُخرج من حقيبة كان يحملها ألبومًا يحتوي على الكثير من صور الحرب ويطلعنا على بعض منها التُقطت ليخوت وبواخر كانت تشكّل أساس سلاح البحرية في “القوات اللبنانية”. وعن هذه الفرقة يروي جوزف: “أنشئ سلاح البحرية في العام 1978، مع مجموعة شباب ذات خبرة مقبولة لكن بإمكانية ضئيلة جدّاً، وكان التنقل إلى شواطئ جونية يتمّ بواسطة مراكب صغيرة. قرّر الشيخ بشير الجميّل تقوية السلاح البحري حيث أدركت القيادة أن الخطّ البحري سيكون الشريان الحيوي لـ “القوات” ونضالها. أحضرنا أوّل طرّاد من طراز تراكير tracker إنكليزي الصنع وفي العام 1981 أحضرنا طرّادات جديدة دفع ثمنها رجل أعمال لبناني مقرّب من الشيخ بشير لأن إمكانيات “القوات” المادية كانت محدودة ولم تكن تستطيع شراء نوعًا كهذا من الطرّادات. وقتها شكّلنا وحدة بحرية ثانية ضمن نادي اليخوت ATCL في جونية وأصبحت لدينا ثكنة بحرية سرعان ما أصبحت منظّمة بكوادرها وجهود الشباب فيها”.

ويتابع: “تطوّر السلاح مع الوقت ليصبح لدينا رادار ساحلي نرصد بواسطته البحر. أحضرنا كارافاناً caravane ووضعنا الرادار على سطحه لنرصد من خلاله كل التحرّكات التي كان يقوم بها السوريون”.

يصمت قليلاً، يحدّق في البحر، ثم يضيف: “سلاح البحرية كان الشريان الحيوي لـ “القوّات” في حصار بيروت وحرب الجبل وهو من أصعب الأسلحة في الجيوش لأنه إضافة إلى العدو التقليدي نواجه أيضاً عاملاً سلبيًا وهو الطبيعة المؤثرة الناتجة عن العواصف والبحور الهائجة والرياح وهناك مثل فرنسي يقول “la mer ne pardonne pas la faiblesse” أي أن البحر لا يسامح الضعف؛ لا يمكن أن تكون في البحر وتكون ضعيفاً وفي الوقت نفسه يجب عدم التساهل والاستخفاف بالبحر وعوامله بل يجب أخذ الأمور بكل جديّة وانتباه لأن الأخطاء في البحر نتيجتها مميتة ومكلفة”.

تجربة حرب الجبل شكّلت مفصلاً مهمّاً لسلاح البحرية. يتذكّر جوزف: “لم تكن القيادة في حينه تتمتع برؤية لوضع خطّة لإمدادات الحرب الطويلة، ولم تكن لدينا أي خطّة نسير بها. نقلنا مئات من أطنان الذخيرة والدبّابات وكل العتاد العسكري إلى مواقع القتال من دون تسجيل أي حادث يُذكَر وتحت ضغط كبير وبإمكانات ضئيلة جدّاً. كما كنا ننقل الجرحى والمصابين إلى المستشفيات. كنا نستعمل الطرّادات، وبواخر الإنزال، ومراكب سريعة، إضافة إلى زوارق مطاطيّة (زودياك). وخلال معركة شرق صيدا شاركنا في أعمال إخلاء السكان بعد سقوط منطقة شرق صيدا ونقلناهم الى أماكن أكثر أمانا. كما واكبنا المراكب المدنية التي كانت تنقل الناس من الجنوب إلى الحوض الخامس في مرفأ بيروت”.

ويلفت جوزف: “مرّة غرق شخص في شلالات فقرا، ومعلوم أن المياه هناك باردة جدّاً وضغطها قوي جدّاً، بعد محاولات الجيش والدفاع المدني سحبه من دون نتيجة، استدعونا لانتشاله فتمكنا من ذلك”.

كما أشار إلى أنه “خلال حرب الإلغاء عندما كان بعض المسؤولين يريدون الاجتماع بالدكتور سمير جعجع في غدراس كنا نذهب لإحضارهم من مرفأ السان جورج في بداية عهد الرئيس الياس الهراوي”.

تزوّج جوزف غريّب وأنجب إبنة وحيدة ويعمل الآن كقبطان يخت ومدرّب في معهد البترون الأكاديمي للعلوم البحرية MARSATI لأنه أحبّ البحر وأحبّ مخاطره والغوص في معالمه التي لا حدود لها.

* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل