سجون وساحات – موسى الشدياق: كنت أهرّب المناشير تحت كرسيّ النقال

 

كتبت أوغيت سلامة في مجلة “المسيرة” – العدد 1438:

 

أصيب في الحرب اللبنانية على جبهة المتحف وبات الكرسي النقال رفيق حركته بدل ساقيه المشلولتين. الجندي في الجيش اللبناني موسى الشدياق حفرت صورته في ذاكرة الكثيرين وهو على كرسيه يتابع جلسات محاكمة الدكتور سمير جعجع. لم يغب عن جلسة، حاضر دائمًا ليكون الى جانب “القائد” الذي احترم وأحب، إبن بلدته بشري “المارد” كما يسميه، والى جانب زوجته ستريدا التي يصرّ على وصفها بهذه الجملة”ستريدا المرأة التي لا تقهر”، مؤكداً مراراً وتكراراً “لا تنسي يا ست تحطي هالعبارة”.

 

يروي موسى بداية مشواره يقول: “تطوعت في الجيش اللبناني أيام كان بشير الجميل قائدًا لـ “القوات اللبنانية” وأصبت في صفوف الجيش على جبهة المتحف خلال الحرب. بعدها لازمت بشري الى أن وقعت الواقعة وأوقف الحكيم، عندها نزلت الى بيت الحكيم في يسوع الملك وأخذت عهدًا على نفسي ألا أفارق ستريدا وأبقى مع الشباب في البيت في الوقت الذي ما كان في “إبن مرا بيسترجي يطلع لفوق”.

 

لكن المرور على الحواجز التي كانت تحيط بالمنزل ألم يكن صعبًا عليك؟

بالتأكيد كانوا “يضايقونني” ويحاولون تيئيسي كي لا أعود لكن ما كنت أهادن أو أسكت. الكل يعرف أنني وقح في إصراري على تحقيق ما أريد. “ياما هدّدوني وقالوا سنكسر لك رجليك اذا فتت، وكنت كل مرة أجيب أنني سأدخل غصباً عنهم إن قالوا إيه أو لأ”.

وكانوا في كل مرة يهدّدون بتحويليالى فرع المخابرات. مع ذلك لم أتوانَ عن الدخول يوميًا. كان همّهم أن يمنعوا الناس من الدخول والوقوف الى جانب ستريدا علّها تيأس وتغادر وتتخلى عن الحكيم. كان المطلوب أن تبقى وحيدة وزوجها في المعتقل وأي إمرأة في وضع مماثل لا بد أن تستسلم وتترك كل شيء ولو كان الحكيم. لكن الناس لم تتركها وكان الشباب ينزلون الى البيت ليلًا مشياً من الأحراج. لذلك صاروا يقفون عند باب البيت لمراقبة الداخل والخارج منه.

حتى أنهم لحقوا بي الى بشري وإستدعوني الى مركز الحدث (حدث الجبة) للتحقيق معي وقالوا لي “سمير جعجع بالحبس وستريدا لاحقتو لا بقا تنزل لتحت”.

في الحقيقة ستريدا إمرأة جبارة وشهادتي مجروحة فيها، لا تصدقي أن هناك أرجَل منها،واجهت سوريا والمخابرات اللبنانية وكل “جوقة الزغلول” من الزعماء والمتهافتين على زعامة “القوات اللبنانية”. أعصابها حديد. أنا أعرف ما عانت منه من ضغوط دولتين وقضاء يجرجر بها وزوجها محكوم مؤبد. وأبرز ما في تلك المرأة أنها وفية، لا ولم تنس من وقفوا معها ومع الحكيم في عزّ الشدة.

 إشتهرت باصرارك على حضور كل جلسات المحاكمات على رغم صعوبة التحرك لماذا؟

يوم الجلسة كنت أنطلق من بشري صباحًا، أستحصل على تصريح الدخول الى المحكمة ومن ثم أنتظر لتبدأ الجلسة قرابة الثانية او الثالثة من بعد الظهر والى ساعة متأخرة من الليل أحيانًا.

أنا كنت مصدر عذاب لهم فما كانوا يستطيعون ضربي أو طردي كي لا أدخل الى الجلسة كما كانوا يفعلون مع غيري من الشباب علّ الإستفزاز والإهانة قبل إنعقاد الجلسة تثنيهم عن الدخول، أما أنا فكنت أهددهم بجمعيات حقوق الإنسان وبالمحامين إذا تعرّضوا لي لأنني معوّق.

ما قصتك مع القاضي رالف رياشي؟

في إحدى المرات كنت داخلًا مع الشيخ فريد حبيب لحضور الجلسة وكنت الوحيد الذي يسمح لي باستعمال المصعد الكهربائي، لكن كان بقي لي ما يقارب الثماني درجات لأصل الى مدخل القاعة، ولم يكن في إمكان الشيخ فريدأن يحملني وحده فلمحت رجلا قريبًا منا فسألته أن يقترب مني وقلت له “جايين نحضر الجلسة يرحم موتاك لو بتساعدني تنطلع الدرج” كان معه ملف بيده أعطاني إياه وصار هو والشيخ فريد يشدان بي على الكرسي الى أن تخطينا الدرج وأنا أردد عليهما ” شدّوا منيح لأنو إذا وقعت رح إتشكى عليكن” فرد الرجل “لمين بدك تتشكى”؟ وأنا أجبت بثقة “رح إتشكى للقاضي لمين بدي إتشكى”!! وكانت المفاجأة عندما بادرني “ما أنا القاضي”!! هنا كانت الصدمة عندما إكتشفت أنه القاضي رالف رياشي عضو المجلس العدلي وأنا لم أعرفه بين “عجقة” العسكر و”التدفيش” واعتقدت أنه من بين الذين توافدوا لحضور الجلسة، مع أنني قلت في نفسي “شايف هالوج” ومع ذلك لم أعرفه من شدّة إنفعالي، لذا عندما عرّفني عن نفسه استغليت الفرصة وقلت له “بشرفك إنت القاضي؟ لَكَن يرحم موتاك عطونا الزلمة عطونا الحكيم تنروح، إنتو بترتاحوا ونحنا منرتاح”!! إبتعد القاضي وهو يضحك، ثم لحق بي العقيد جان سلوم وقال “شفت هيدا اللي عم تقلو “تعُو” ومفكر حالك قاعد ببشري؟ هيدا قاضي المجلس العدلي”!!

 

غير الحضور الذي كنت تؤمنه في قاعة المحكمة وفي بيت الحكيم في يسوع الملك هل كان لك دور آخر في مرحلة النضال السري تلك؟

كنت أقوم بكل ما يطلب مني ولا يمكن للشباب أن يفعلوه، فقد كانت لي حرية التحرّك على الكرسي أكثر منهم لسخرية القدر وكنت أمرّ على الحواجز ومعي بطاقتي العسكرية مما كان يسهّل أموري. كنا نوزع “المناشير” وأنا كنت أهرّبها تحت كرسيّ النقال الى بشري والمنطقة المحيطة. كان الدخول الى بيت يسوع الملك وكأنه دخول الى القدس، مرّة وفي يوم حار من شهر تموزأوقفوني تحت الشمس أكثر من ساعة ونصف بعدما أخذوا بطاقاتي وعندما سألتهم كيف يوقفونني كل هذا الوقت؟ رد علي العسكري “ما عليك شي بس أنا حرّ وقت اللي بدي بخليك تمشي”. بعدها أعطاني أغراضي وهدّدني قائلاً: “لا بقا تجي لهون أحسن ما وقفك المرة اللي جايي 4 ساعات”. في الأسبوع اللاحق ويوم الخميس أيضاً رأيته مجدداً على الحاجز فبادرني “أنا ما قلتلك ما تجي لهون”؟ فأجبته فوراً “رح ضل جي لو وقفت 4 أو 6 أو 10 ساعات.. بدي كل يوم جي..” هكذا صار كلما رآني يقول للعسكري الذي يفتشني “تركو خليه يفوت”.

يتابع موسى “مرّت علينا أوقات صعبة صحيح لكن ليس لنا بالجميل أمام ما مرّ به الحكيم وستريدا. مرة اوصلت إكليلًا من الزهر الى دفن سيدة من منطقة زغرتا باسم الدكتور سمير جعجع وعقيلته فقامت القيامة ولم تقعد، يومها كان المجنون ينطق باسم الحكيم ولو كان في جونيه فكم بالحري في زغرتا؟ يومها تخيلي أنني أوصيت على الأكليل في محل في كوسبا وعندما إنتهى من تحضيره سألني ماذا سيكتب عليه فقلت “الدكتور سمير جعجع وعقيلته” فجن جنونه وقال “ما بكتب بدك تخربلي بيتي”؟ أجبته “وأنا ما باخدو كبو” فأذعن وكتب مرغمًا وطلب مني ألا أفصح عن إسمه كي لا يلاحق. والأحلى من ذلك أنني لما وصلت الى الكنيسة في زغرتا ووضعت الأكليل لم يبق إبن إمرأة في المكان هربوا جميعاً أما أنا فدخلت وعزيت الجماعة وقلت لهم “ستريدا ودت معي إكليل زهر باسم الدكتور جعجع وهلأ هي بترجع بتلفن” وتركت المكان. لم أصل الى ساحة زغرتا حتى إتصلوا بي من المخابرات: “آلو موسى الشدياق؟ معك سركيس ميِّل شراب قهوة، الرائد عايزك” فقلت له لن آتي ولا أشرب القهوة. عندها قال سنأتي لنأخذك من البيت إذا لم تأت. وهكذا كان في اليوم التالي طبّت على بيتنا دورية من المخابرات لتصطحبني الى المركز في الحدث. هناك قال لي المحقق: “… صاير نمر يا شيخ موسى؟ عم توزع أكاليل على زغرتا صرت؟ وسعت بيكارك؟ ” فأجبته: “ليش في قانون بيمنع ودي إكليل زهر؟ شو هي عملية تهريب مخدرات أو جريمة قتل”؟ فعاد وسألني: “من دفع ثمنه”؟ أيضًا أجبته: “أنا دفعت، حرّ شو إلك معي”؟بعدها أخذوني الى مكتب المقدم عساف، الذي طلب مني أن أرشدهم الى مكان السلاح المخبأ في بشري فأجبته: “ما زالك بتعرف إنو في سلاح روح جيبو”. وعند إصراره قلت له: “أنا بعرف مين مخبا السلاح رح قلك عليه”. إرتاح وسألني عمن يكون فقلت: “نادر سكر دقلو وهو بيخبرك وين مخبي بكل الشرقية مش بس ببشري”. عندها طلب من الحرس أن يخرجوني من مكتبه وهو فاقد السيطرة على أعصابه.

كثر كانوا “قوات” يقول موسى لكن قلة كانت “رُكبهم” قوية ووفاؤهم غير مشروط بمصلحة أو غاية لذا فان هؤلاء الذين بقوا الى جانب الحكيم وزوجته في أيام الشدّة هم خميرة “القوات” التي لا تموت لو مهما عظمت الضغوط عليها.

 

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل