
تعتبر لسعات العقارب مشكلة كبيرة تواجه المواطنين في الجزائر، خصوصا إذا علمنا أن هذه الدولة العربية المترامية الأطراف في افريقيا تكاد تتصدر قائمة الدول الأكثر تضررا مما يعرف بـ”التسمم العقربي”، فالإحصاءات تفيد من خلال آخر الملتقيات الوطنية حول محاربة “التسمم العقربي” أن حوالي 25 ألفا إلى 50 ألف شخص يصابون بلدغات عقرب في 28 ولاية، أما عدد الوفيات، فيتراوح بين 100 و 200 حالة في السنة، أغلبهم من الأطفال والشيوخ، نظرا لضعف المناعة لديهم. فيما تكلف هذه المشكلة الخزينة العامة ما بين 700 الى 10 آلاف دينار جزائري للسعة العقرب الواحدة، أي ما يعادل 90 مليون دينار جزائري لمعالجة كل لسعات العقارب سنويا.
لسعات العقارب شائعة في الجزائر، وتحتل أهمية استثنائية على صعيد الصحة العامة، فهناك آلاف اللدغات المسجلة والعشرات منها قاتلة سنويا، ففي سنة 1991 سجلت أكثر من 22 ألف لسعة توفي إثرها 106 شخصا، وفي سنة 2008 سجل ما يفوق الـ 50 ألف لسعة عقرب أدت الى وفاة 77 شخصا.
تتحمل الإشعاعات النووية
العقارب هي حشرات شرسة تفضل المشي في الليل، وبها سم قاتل يكون نشيطا في فصل الصيف، حيث أن الجزائر ودول شمال أفريقيا ككل تضم عددا من أخطر أنواع العقارب في العالم والتي يقدر عددها بـ 1500 نوعا، فمنها العقارب ذات اللون الأسود كالتي تتواجد في أدغال أفريقيا وآسيا، ومنها ذات اللون البني كتلك التي تتواجد في مصر بكثرة وهي أكثر خطورة من الأولى، أما الصفراء، فتتوجد في الصحراء الجزائرية وسوريا وغيرها.
تتغذى العقرب على الحشرات والخنافس وتتكاثر في فصل الخريف، ومدة الحمل تدوم عندها إلى ستة عشرة يوما.
كذلك تتحمل البرد والإشعاعات النووية، لأن قشرتها الصلبة تتكون من مادة تساعد عدم تأثرها بالإشعاعات، وعندما قام الفرنسيون بالتجربة النووية في رقان (جنوب الجزائر) في 13 شباط (فبراير) 1960، لاحظوا أن العقرب كان الكائن الوحيد الذي لم يتأثر بالإشعاعات.
يستخدم العقرب السم لشل حركة فريسته من الحشرات، ثم يلتهمها بسهولة، ومن بين الأصناف الشائعة من العقارب في الجزائر: بوتوس وهكتور الاسترالي القاتل.
خارطة انتشار العقارب في الجزائر
كشفت خارطة جديدة عن انتشار العقارب في 38 ولاية جزائرية موزعة على ثلاث مناطق تم الكشف عنها خلال اليوم الدراسي المنظم أوائل شهر حزيران (يونيو) الماضي بالمعهد العالي للتكوين في المركز الطبي بالمسيلة حول التسمم العقربي، على النحو الآتي:
–المنطقة الأولى وتوصف بـ (الحمراء)، وتشمل الولايات التالية: بسكرة، الجلفة، الوادي، المسيلة وأدرار.
–المنطقة الثانية: تمنراست، تيارت، المدية، البيض، النعامة وغرداية.
–المنطقة الثالتة والتي تعتبر الأقل في نسبة تواجد تلك العقارب فهي: بجاية، بشار، البويرة، تبسة، تلمسان، سطيف، معسكر، اليزي، برج بوعريريج، تسيمسيلت، خنشلة، تيبازة وعين الدفلى فضلا عن ولايات أخرى.
وتعتبر ولاية أدرار من أكثر المناطق التي تنتشر فيها العقارب نظرا لطبيعة المنطقة وتركيبتها الجيولوجية، بالإضافة إلى كون المساكن والبنايات تقع وسط بساتين النخيل، وهو وسط ملائم لتكاثر مثل هذه الحشرات، وهذه الظروف المناسبة والجو الأنسب تجعل العقارب تخرج في أسراب لتتجول عبر الشوارع وتلدغ عددا لا بأس به من المارة الأبرياء، بحيث يتم إحصاء عشرات الحالات على مستوى مصالح الاستعجالات بالمراكز الصحية والتي يتم إسعافها أوليا، ناهيك عن الحالات الأخرى التي لم يلتحق اصحابها بالمصالح المعنية، خصوصا البدو الرحل الذين يقطنون بقرى بعيدة عن المستشفيات المحلية، وهو الأمر الذي حرك الجهات المختصة لإطلاق حملات لجمع تلك العقارب بهدف التقليل منها، ولاستغلال السم في إنتاج المصل المضاد.
وكشفت ذات المصالح أن عدد الإصابات تراجع خلال السنوات الأخيرة مقارنة بالتسعينيات، نظرا للإجراءات التي اتخذتها السلطات المحلية، والتدابير الخاصة بالوقاية من الإصابات والتقليل منها، بالمقابل سجل ارتفاعا في عدد العقارب التي تم جمعها.
المصل المضاد للتسممات العقربية
وأكد المدير العام لمعهد باستور “كمال كزال” على انه توجد 4 ملاحق للمعهد المذكور في أنحاء الجزائر وأن الهدف الأول والأخير يكمن في الوقاية والنظافة مع ضرورة تهيئة المحيط وتوفير الإنارة العمومية التي تساهم بشكل كبير في التقليل من تلك اللسعات والوفيات، فضلا عن حملات التوعية في أوساط المواطنين، بأهمية استخدام الوسائل اللازمة أثناء العمل، ورفع الوعي لديهم بالمخاطر القاتلة وإخبارهم عن تدابير الإسعافات الأولية التي يجب اتخاذها في حالة التعرض للسعة العقرب، بالإضافة إلى تجنيد كافة المداومات الطبية، وتوفير كميات كبيرة من المصل المضاد للتسممات العقربية، للتقليص نهائيا من هذه الظاهرة التي طالما فتكت بأرواح المواطنين بالمناطق النائية.
وعلى الرغم من تراجع عدد التسممات خلال السنوات الأخيرة بفضل اتساع شبكة الإنارة العمومية وحملات التوعية، إلا أن ولاية أدرار (1500كلم جنوب الجزائر) ما تزال ضمن المناطق الأكثر عرضة لظاهرة التسمم على المستوى الوطني، وكانت بعض البلديات بالولاية تبادر خلال السنوات الأخيرة إلى تنظيم حملات لجمع العقارب مقابل مبلغ مالي عن كل عقرب في إطار نشاط الأحياء السكنية، وقد أسفرت هذه العملية الهامة عن تحصيل عدد كبير من العقارب.
وتدأب وزارة الصحة الجزائرية من أجل إعداد برنامج مشترك متعدد القطاعات مع وزارات الداخلية والبناء والتعمير والبيئة والفلاحة إلى جانب وزارة الاتصال، بقصد وضع آليات واستراتيجيات توعية للوقاية من التسممات العقربية، وذلك من خلال ملتقيات جهوية حول التقليص من التسممات العقربية وكيفية الوقاية منها بمشاركة أطباء ومختصين من مؤسسات جامعية ومراكز للصحة العمومية.
القنفذ للقضاء على العقرب
من بين الطرق التقليدية المتوارثة لمكافحة التسمم العقربي استخدام حيوان القنفذ، وهي الطريقة المنتشرة بكثرة في المناطق الريفية والنائية، وتعطي نتائج جد ملموسة حسب أحد فلاحي منطقة ادرار جنوب الجزائر، ويلجأ سكان هذه المناطق إلى تربية حيوان القنفذ بمساكنهم باعتباره يلتهم الزواحف والحشرات السامة كالعقارب والأفاعي، وعادة ما يضعونه في بقعة محدودة لتفادي مخاطره المتعددة، ذلك أنه ينتمي إلى الحيوانات من فصيلة الشوكيات التي تتغذى على هذه الحشرات السامة.
وعلى الرغم من الانتشار الواسع للمواد الكيميائية المخصصة لمكافحة العقارب إلا أن سكان هذه المناطق الريفية والقرى الفلاحية النائية يفضلون استعمال هذه الطريقة التقليدية لاجتناب الأخطار الناجمة من المكافحة الكيميائية التي تضر بالزرع وما تتطلبه من تكاليف مالية.
ويقول الحاج أحمد (60 عاما) والذي يقطن بإحدى القرى الفلاحية الجنوبية انه قضى عمره وهو لم يعرف اللسع العقربي، لأنه اعتمد على تربية العديد من القنافذ بمنزله المتواضع حيث سمحت له هذه الطريقة في مكافحة وحماية أبنائه من التسمم العقربي.
طرق تقليدية
وفي زيارة لـ”greenarea” إلى احدى المناطق النائية تحدث مواطن بالتفصيل عن الطرق التقليدية المستعملة لانتزاع سم العقرب، وأكد الحرص “على توفر النية!”، يكفي هذا الرجل أن يقرأ آيات من القرآن الكريم وبعض الأحاديث النبوية في كوب من الماء، ثم يقدم للمصاب الماء ليشربه لينتفي مفعول السم! إلا أنه ورغم النصائح الطبية التي تؤكد ضرورة الامتناع عن شرب الماء لمدة، إلا أن ثمة من يعتقد أن الرقية تعفي المصاب من ذلك! حيث بإمكانه أن يشرب الماء قدر ما شاء وساعة واحدة بعد الرقية ليسترجع عافيته!
وتحدث مواطن آخر عن طرق يستعملها البدو الرحل، كالحجرة السوداء التي توضع في مكان اللسعة بعد تشريحه بأداة حادة، حيث تترك الحجرة لامتصاص السم ثم تسقط لوحدها بعد أداء المهمة، ثم توضع في كوب من الحليب كي يذهب السم عنها وترمى بعد ذلك!
كما يستعملون بعض الأعشاب الصحراوية كعشبة الرمد، وهناك البعض الآخر يستعمل غاز البوتان لتجميد السم، لكن هذه الطريقة غير ناجحة وغير مؤكدة في العديد من الأحيان، حيث يسترجع السم حركته في الجسم بعد ارتفاع درجة الحرارة.