حصل أن تعطلت سيارتي الأسبوع الفائت، وكان العطل في قطعة مُرتبطة بناقل الحركة وتحتاج الى الكثير من الفرط للوصول إليها. فأخذتها الى الميكانيكي الذي أذهب اليه عادةً، فأمضى وقتاً يفرط ويفرط، الى أن وصل الى مكان العطل، لكن لسبب معين، وبعد عدّة أيام من التجارب، لم يتمكن من تصليح العطل، فأتصلت بميكانيكي آخر وسألته عن المسألة، فقال إنه يعرف كيف يصلح هكذا أعطال، فطلبت من الميكانيكي الأول أن يضع كل القطع المفروطة في الصندوق، وهكذا، يجمعها الثاني بعد تصليحها من دون الحاجة لإعادة فرطها.
المفارقة أن الميكانيكي الثاني أصلح العطل، لكن بعد جمع ما كان مفروطاً، ولكثرة القطع المفروطة، بقي عدّة براغ وقطع صغيرة أخرى لم يعرف موقعها، فأضطررت للرجوع الى الأول الذي فرطها، لأنه يعرف بالتحديد مكان كل قطعة مفروطة. ذكّرتني هذه القصة بجارنا القديم الذي كان يسكن في بيت حجر قديم وقرر في يوم من الأيام أنه يحتاج الى التجديد، فقام بفرط البيت من دون أن يكون قد أعدّ أي تصميمات أو خرائط للبيت الجديد.
وقبل أن يبدأ بإعادة البناء، سافر للخارج حيث بقي هناك سنوات عدّة. بعد سفره، ولأنهم بحاجة لسقف يأويهم، قرر أولاده بناء البيت من جديد، بما توفر لهم من عدّة وموارد، وبمساعدة جيران الحي، وكانت النتيجة بناء مقبولا بالحدّ الأدنى، وهو ما لم يعجب الجار أبداً بعد أن عاد من غربته، و ما زال حتى اليوم في صراع مع أبنائه وأقاربه من أجل فرط البيت من جديد ليبنيه كما كان يريده من قبل، لكنه أصبح في أواخر أيامه وهو بالكاد قادر على ربط حزام بنطلونه.
يتبين من ما سبق، أن مَن يفرط، عليه هو أن يُعيد البناء أو الجمع، وعليه قبلاً أن يكون لديه خطط وتصورات ليبني على أساسها، قبل البدء بعملية الفرط.
أما أن يفرط فلان أو علتان، وبعد الفرط والخراب يدير ظهره ويرحل ويترك الآخرين يتخبطون بما فعل، فهذه قمة الهبل والجهل وإنعدام المسؤولية والإستهتار. فلكل مَن يهوى الفرط، ليلتهي بفرط السيارات مثلاً، فهي مهنة مُربحة وتُسلّي كثيراً، وليترك فرط البيوت والقصور والصروح، التي يستحيل إعادة بنائها إلا بعد إتفاق كل الساكنين فيها على كل شيء، إبتداءً من كيف سيكون شكلها الجديد، وليس إنتهاءً بتقسيم الغرف ومواقف السيارات ونوع البلاط والدهان والأبواب والمطابخ… والى آخره من مئات التفاصيل الكبيرة منها… والصغيرة.