
…وهكذا علّقت الزر الانيق فوق فستاني، وحملت البطاقة والصقتها ببطاقة الهوية وصارت محفظتي مكتنزة. أعلن لكم انتسابي رسميا الى “القوات اللبنانية”. لم أكن أعرف صراحة اني أريد بطاقتي تلك، اكتشفت اني أريدها وبقوة، وأريد أن اعلّق الزر أنا التي كنت أهزأ أحيانا من أصحاب الأزرار واعتبرهم غاية في السخافة وحب الظهور وما شابه.
وأكتشفت في حالي ما هو أبعد بعد، اكتشفت نرجسيتي وأنانيتي في الاصرار للحصول على بطاقتي وكنت الهث خلف طلب الانتساب وأسأل يوما بعد آخر “شو يا شباب وين صار في شي ناقص؟” وهم يطمأنونني بأن “كل شي منيح وطلبك ماشي فيرا”، وأبقى غير مقتنعة الى أن حان الموعد الذي أكد لي باني أصبحت من بين عداد المئات في منطقتي البقاع، ومن بين الالاف من بقية المناطق الذين أصبحوا من صلب عديد “القوات اللبنانية” رسميا، ماذا تغيّر؟ هل العمل الشاق على مدار السنين الماضية لم يكن هو نفسه بطاقة انتساب، أو الاصح عمق الانتساب وقلبه وضميره؟
في خطابه قال سمير جعجع الكثير، ومما قاله وعلق في الذهن الصغير أمام رجل من هذا الطراز الرائع، بأن كل قواتي انتسب الى القوات” استحق انتسابه بنضاله وتعبه في” قريته ومدينته.
صحيح، صنع كل منا ثورتة الصغيرة بحسب قدراته بوجه الاحتلال السوري، وكل منا صنع تاريخه لاجل القوات لأجل لبنان، كان لكل منا “قوات” على مقياسه، كان لنا لبناننا الحر المناضل وكان لهم لبنانهم المحتل، تصرّفنا به بحسب ما أملته علينا الشجاعة والضمير والانتماء، سرا وعلنا، وكنا محاصرين بالأعداء من الخارج والداخل حتى الاختناق ولم نختنق.
لا أنسى تلك الايام، ولا أحد ينساها، قصة كل واحد فينا هي قصة المجموعة، لم أحمل سلاحا واحارب خلف متراس، لم أنل ذاك الشرف طوال حياتي، ففعلت ما استطعت على غير متراس، أكثر مما استطعت غالبا، أحيانا كنت أفشل واصطدم بمئات الحيطان في وجهي، وفي أخرى كنت انجح وانجح بقوة وأعرف اني فعلت عندما اراقب غضب الاخصام والاعداء، حسبي على الاقل، حسب الرفاق جميعا، اننا حوّلنا الدائرة المحيطة بنا الى شعاع يدور في فلك لبنان الحقيقي، انتشلنا كثر من براثن اللحاق بأحزاب لا تؤمن بلبنان أساسا تحت وطأة التخويف والتهديد أو الجهل، واكثر من ذلك نقلنا عدوى العنفوان الى آخرين كانوا يظنون ان الرأس المنحني لاحتلال الغريب هو مكسب، وعلموا ان النضال في عز الخطر هو الشرف كله، الحياة كلها، هو الانسان، هو الايمان.
لم انتسب الى “القوات اللبنانية” رسميا، انما انتسبت الي “القوات” بالقلب والعمر وجعلت من البطاقة هوية اغرزها مع هويتي اللبنانية وتلك الارزة الرائعة الخضراء المليانة عنفوان، ومن الزر زينة أشكلها على ياقة فستاني، ليس لاتباهى بزينة النساء انما لأخبر ان في القوات نساء انيقات مفععمات انوثة ممتلئات من روح الرجال وعزتهم وشجاعتهم حين تقتضي الحاجة.
احمل بطاقة الانتساب وكلي خوف، لم أعرف اني سأخاف، ليست بطاقة تتويج لمسيرة ولا هي “وجهنة” ، هي مسؤولية كبيرة، هي احترام لا يقف عند حدود احترام مسيرة نضال وذاكرة شهداء، انما احترام للذات التي قررت ذات عمر ابيض رغم كل الاحتلال ان تعلن انها “قوات لبنانية” فانتسبت الى الكرامة وجعلت من لبنان تاجا تحت تلك الشمس التي لا تبهت… رفاقي اعلن لكم انتسابي للحرية دائما…
