
… وكان 13 تموز 1996. تلقى إتصالا من أحد أعوانه. قال المتصل: فشلنا وإنتصر هو.
ثورة غضب عارم تملكته. وقف عن كرسيه، وأخذ يحطم كل ما كان على مكتبه ويرمي به في كل إتجاه. مشى خطوتين، فشاهد صورته منعكسة في المرآة المعلقة على الحائط، ولم يعجبه ما رآه.
كان قد أقنع نفسه أنه رجل وسيم وجميل. ورغم قصر قامته، فهو سيد جبار يهابه “كبار” القوم ويطلبون رضاه. غير أن ما يراه في المرآة بعيد جدا عن تلك الصورة التي رسمها لنفسه. فهو يرى صورة مخلوق بشع مقرف، العرق يتصبب منه شلالا، وجسمه يرتجف كورق خريف عرف أنه زاحف إليه لا محالة، فرأى نفسه على حقيقتها. رأى كم أنه عبد جبان ذليل، فشعر بأنه يختنق بغيظه وحقده، وما زال حتى الساعة.
في ختام ذلك اليوم، وفي بكركي، كان شيخ ثمانيني يتلو صلاة الشكر في كنيسة الصرح البطريركي. وكان يتأمل في سيده المصلوب وإبتسامة رضى ترتسم على محياه. فهو قد نجح اليوم، وبتلك الإبرة الصغيرة بين أصابعه، بحفر جزء كبير من جبل الطغيان والإحتلال الجاثم على صدر شعبه ووطنه.
تذكر الكهل الثمانيني قولا لمعلمه: “سيضطهدونكم وسيلعنوكم ويرمونكم بكل سوء من أجل إسمي. ولكن الحق الحق أقول لكم، السماء والأرض تزولان وكلمة واحدة تخرج من فمي لا تزول، إثبتوا فيّ ولا تخافوا، أنا غلبت العالم”.
أنهى الشيخ الجليل صلاته، رسم إشارة الصليب على وجهه وإنطلق قافلا إلى غرفته لينام.. أسند رأسه إلى وسادته، وما هي إلا لحظات حتى إستسلم لنوم عميق كالأطفال. كيف لا، وهو يعلم أن غدا يوم أفضل! هكذا أخبره المعلم، ومعلمه لم يخذله يوما.
لقد تم…
