#adsense

نحنا ما منقتل المسيح…

حجم الخط

13 تموز 1996، الوقت جبل، كان يوم سبت، الاحتلال السوري يحاصر كل شيء ابتداء من الانفاس وصولا الى التحرّكات، جميل السيد ونظامه الامني يقبض على كل مفاصل لبنان، كان تموز والحر يزرع البلاد لهباً في كل شيء، لهيب الخوف الغضب الحرّ الحصار الاعتقالات وترقّب اللحظة النادرة.

مر زمن قبل أن تصل الساعة الثالثة من بعد الظهر، وبلحظة انفجر كل شيء، تناثرت الاصوات، جُنّت الشوارع، انهمرت العيون باكية ضاحكة لا فارق، سال الشمبانيا والدبكات والرقصات والزغاريد، قرعت الاجراس…اعلنت براءة سمير جعجع من تهمة تفجير كنيسة سيدة النجاة، انهالت بشري فوق أجراسها وصلواتها، عبقت الكنائس ببخور الشكر، بعدما كانت عبقت بالصلاة لاعلان البراءة وان كانت براءة مشوبة بالاعظم الآتي بعد، علقت الارجل في الساحات وفي الدبكات، خرج السلاح الفردي متحديا الطوق الامني الكثيف “الحكيم برىء ابن كنيسة ما بيفجّر كنايس وشو بدو يصير من هونيك ورايح الله بيدبّر” صرخ أهالي بشري، “ابن الرب بدو يتحدى الرب ب بيتو وااله ما بتصير هالشغلة” صرخ أهالي دير الاحمر والقرى المجاورة…

قرعت البراءة مع الثالثة من بعد الظهر وكل منا في مكانه ينتظر تلك اللحظة ويعرف أن البراءة من الكنيسة تعني الاعدام في غيرها، اذ كان من المستحيل أن يعبر جعجع بريئاً من خرم المحكمة المرهونة للاحتلال وعملائه، لكن حسبنا كان أن يُبرّأ من تهمة تفجير الكنيسة تحديداً لان “نحنا ما منقتلش المسيح” كما قال القواتيون المتناثرون في القرى والبلدات كافة، نحن الذين بُنيت مبادؤنا بالاساس على صخرة الكنيسة فكيف لنا أن نفتت الصخرة؟

مستحيل، “يمكن ربنا بدو يدخّلنا بالتجربة لـ يمتحنّا” كان يردد شباب القوات الذين انتظروا أمام وزارة العدل تحت شمس تموز الى حين النطق بالحكم، وفعلاً امتحن فينا المسيح ذهب الايمان، وكان الذهب وفيراً ولو انحنينا أحيانا لوطأة الخوف أو التردد، وفي أحيان اخرى ذهبنا الى الانكفاء في ليل الهروب، ولكنها لحظات ضعف عابرة اجتاحتنا قبل أن نعود وننتفض ونواجه وتعرفون بقية الحكاية.

كنت في قريتي يومذاك، لم يقرع أحد الجرس، كانت الضيعة ملفى الاحتلال مثل الكثير من القرى، لم أرقص ولم أرفع علما ولكني لم أترك بيتا من البيوت التي أدخلها عادة وعلى غير عادة، الا ودخلته لازفّ الخبر، كنت اريد أن يعلم الجميع اني من حزب مسيحي مناضل وصاحب قضية وقيم، وليس حزب الزعران والمجرمين كما كان يشيّع عنا، رأيت وجوها يومذاك تضحك سراً وعيوناً لمعت بالامل، ورأيت وجوها سوداء تلعن اللحظة وتلعنني. كنت كلما سمعت لعنة ولو مكتومة أعرف اني على حق وان قضيتي قضية حق، لم أقرع جرساً انما ذهبت الى الكنيسة وأضأت شمعة ووضعت يدي على حائط مار يوسف وقلت له “وحياتك رح ضل قول لبنان تـ يفل آخر سوري من هون ونشالله جعجع ولو كان مظلوم وبقي ميّة سنة بالحبس المهم نحنا مش مجرمين ويتحرر لبنان”.

ويومذاك من نزل الساحات ليرقص ويدبك، أمضى ليله في الزنزانات، حاصرت القوى الامنية البلدات الكبيرة، بشري ودير الاحمر وزحلة وغيرها، وسيق الشباب الى عنجر وابلح، كان ثمن الابتهاج ليال مظلمة ولم يكترث أحد، ليلة، ليال، أشهر في الاعتقال، كان المهم اعلان براءة سمير جعجع من قتل المسيح، كانت الجريمة أكبر من أن يتمكنوا من الصاقها بهذه البساطة، وتخلوا عنها بمرارة بالغة لكنهم داروا الى الصاق تهم اخرى لا تقل اجراما ولم نكترث ، كنا نعلم أن الحرية آتية وان من امتحن ايماننا وقوتنا وتمسكنا به لمن يتخلى عنّا…

دقت الثالثة من بعد الظهر “نعلن براءة سمير جعجع من تهمة تفجير كنيسة سيدة النجاة”…ودخل جعجع والقوات السجن في غير اتهامات، لا يهم، حسبنا كانت الكنيسة وفعلوا من بعدها ما شاءوا وها هم الآن ينتظرون مصيرهم بعدما أدخلهم الناس سجن الاحتقار والمذلّة…ومنيومها وانا أقرع جرس كنيستي لكني لم أعد وحدي التي احتفل علنا بتلك البراءة…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل