
“بأخوية العدرا ما تنتسبوا”، “عم تشمسوا حالكن وبيأثر على مهنتكن”، “إذا ولا لبد فوتوا بشي حزب بيوظّف وبيضهّر من الحبوسي”، “بتضيعوا اوقاتكم بالاجتماعات والركض ولشو روحوا كزدروا وزبطوا وضعكن”، “تشحّرتوا وصار ابنكن تحت التراب ولشو”، “تشنشلطوا وتهجرتوا وتبهدلتوا والنتيجة”، “شو طالعلكم من القوات”، وغيرها وغيرها من السهام التي قد يتعرض لها من إختار الانتساب الى “القوات اللبنانية”. فلماذا ننتسب؟!!
ننتسب لأن العمل الحزبي في بلدنا ليس بترف فكري أو عقائدي نهواه، بل حاجة ماسة للدفع بنضالنا التاريخي على مر 1400 عام ليكون أكثر فاعلية ويتلاءم مع الواقع السياسي في عالمنا حيث وحدها الاحزاب قادرة على النهوض بالاوطان وتدعيم المفاهيم المؤسساتية في الدول، لا السياسات العائلية أو العشائرية أو الاقطاعية الضيقة ولا منطق الزعيم “الملهم” أو الوريث “المصطفى” أو الحراك الفردي.
ننتسب لـ”القوات اللبنانية” لأننا ندرك أن لا مكان للأحزاب الافلاطونية الفاضلة على أرض الواقع، فـ”القوات” ليست الحزب النموذجي الذي نحلم به، بل المكان الامثل للعمل في سبيل حزب نموذجي في شرق مثقل بمورثات مجتمعية ومفاهيم سياسية خاطئة، مكان نُراكِم فيه تجربتنا في الممارسة الحزبية في إطار الدفع بشعبنا نحو التدرج في مدرسة الديمقراطية والتشبّع من المفاهيم الحزبية غير “الملبننة” بحيث عامل الكفاءة يغلب عامل الوراثة والخسارة في أي إستحقاق حزبي لا تعني الحرد أو الانشقاق بل الانتقال الى المعارضة من ضمن البيت الحزبي.
ننتسب، وكلنا إدراك، أن “القوات” كإطار ليست أبدية أزلية سرمدية، لكن كروح ونهج وقضية هي توأم لهذا اللبنان، مساحة الحرية والتعددية ووطن الرسالة الانسانية. “القوات” كأفراد بشر قد يصيبون وقد يخطئون، وكمجموعة بنت هذا المجتمع بحسناته وسيئاته، أما كهدف فتعمل للحد من النزوات الفردية والانانيات الشخصية لمصلحة القضية وكإطار، فتسعى جاهدةً كي تكون مؤسسة نحو المستقبل رغم كثرة المطبات، وذلك بالفعل لا بالقول فحسب.
ننتسب الى تفاصيل صغيرة حفرت في وجداننا… فليس بالعقل وحده يحيا الانتساب بل بالوجدان والمشاعر أيضاً التي تضفي على أي إلتزام ناضج بريقاً من القلب ويشعل الكيان…
نعم أنتسب الى أجدادي الذين بشجاعة قطنوا سهل البقاع، الى تلك المتاريس من الحجارة المتراكمة عرقاً وسهراً ودماء على ضفاف بلدتي دير الاحمر، متاريس تضج بالبطولة والعنفوان على مرّ الخطر الذي لف بها منذ عقود وعقود…
نعم أنتسب الى جدتي التي بطيبتها وبساطتها كانت خير وكيل دفاع عن “القوات” فأمضت 4114 يوماً تتواصل مع الحكيم بمسبحتها، وكلما زارها الكاهن لمنحها سر الاعتراف تقول له “يا بونا خطيتي بِدعي على هل السياسيين العملا للسوريين لحابسين الحكيم ظلم ومشنطلين الشباب”…وأنتسب الى تلك العجوز المنحنية بسنواتها الثمانين، والمنتصبة إندفاعاً وعنفواناً في حفل الانتساب في معراب، تلك الزحلاوية من آل ملّو التي تقصدت أن أجلس قربها فأقرأ بتجاعيدها حكاية شعب وأرض.
نعم أنتسب الى تلك الفتيات باللون الزيتي اللواتي سحرن طفولتي وهن يمتشقن السلاح هناك عند صخور نهر الكلب، والى رفاقهم الذين راحت تتسلسل بطولاتهم الى ذاكرتي من حرب زحلة الى حصار دير القمر… الى ذاك الملازم أول ببزته وجهازه الذي لا ينطفئ خلال السهرات الانجيلية، رغم أن ذاكرتي لم تخل من بعض النتوءات عن إشكالات عبثية وتصرفات، أكدت لي الايام أنها تحصل في أهم وأعظم الجيوش…
نعم أنتسب الى شهداء طبعوا حياتي: الى وهيب والرجال الذين صدوا الهجوم على بلدتي فإنطفأوا يوم أبصرتُ أنا النور في تلك الليلة الكانونية من مطلع العام 1976… أنتسب الى المشهد الذي تسلقت عمود الكهرباء لأسرقه في شارع بلدتي العام 1990، ثلاثة شهداء ساروا الى الموت سوية وعادوا الى الارض سوية ترقص لهم الراحات… أنتسب الى صديقي جورج الذي إستشهد العام 1998 في إنفجار الدورة، وصعقت حين رأيته ينتسب بحنجرة عروسه أرملة التسعة عشر ربيعاً وأم إبن الاشهر الستة يومها، حيث كانت تترأس الكورس خلال احتفال معراب… أنتسب الى رفيقي رمزي عيراني شهيد نضالنا نحن جيل “زمن حلّ القوات” والاحلام التي نسجناها سوياً…
نعم أنتسب الى تضحيات رفاقي ووجعهم وسنوات معتقلاتهم ونفيهم، أنتسب الى ذاك العلم الذي رسم يدوياً والى تلك الصور التي زرعناها على الجدران رغم أنف المخابرات والنظام الامني في الشطر الشرقي من بيروت، ورغم الجزار السوري في بقاعنا المناضل… أنتسب الى ذاك السمير جعجع بمشواره من القطارة الى معراب، وخصوصاً سنواته الاحدى عشرة التي ساهمت في تكوين شخصيتي…
الى كل هذا… أنتسب.
