
البارحة أعلن “تيار المستقبل” بلسان رئيسه، الرئيس سعد الحريري، أن لا فيتو على أحد بالنّسبة إلى رئاسة الجمهوريّة، والنّائب وليد جنبلاط يدعو إلى التّوافق حول مرشّحه أو حول أيّ مرشّح يتوافق عليه الكلّ. أمّا الرّئيس برّي فيفتح البرلمان أمام كلّ النّواب ويطالب برئيس توافقيّ، “التيّار الوطني الحرّ” مستمر بالعماد ميشال عون كمرشّح توافقيّ وإن مدعوم من “حزب الله”، لا بل تعدّى ذلك ليطرح مرشّحه كرئيس توفيقيّ وليس توافقيّ. وحدها “القوّات اللبنانيّة” أعلنت ترشيح رئيسها الدكتور سمير جعجع إلى رئاسة الجمهوريّة مع برنامج انتخابيّ وطنيٍّ واضح وشاملٍ. لكن هل اكتفى جعجع بدور المرشّح؟
في ظلّ الخلاف بين “تيّار المستقبل” و”التيّار الوطني الحرّ”، وفي ظلّ التّباين في وجهات النّظر بين الرّئيس برّي وباقي الفرقاء، أصبح الأمر محتوماً، لبنان بحاجة إلى شخصيّة وسيطة لا وسطيّة، إلى شخصيّة تدير الحوار ولا تحاوِر أو تحاوَر لأنّ مبادئها ثابتة لم تتبدّل، إلى شخصيّة تأخذ القرارات الجريئة بما فيها عودة كلّ الفرقاء إلى الساحة اللبنانيّة، للعب الدّور السياسي، ونزع السلاح غير الشرعي والإلتزام بالمؤسسة العسكريّة الضامنة أمن واستقرار الوطن، أعني الجيش اللبناني وكلّ المؤسسات الأمنيّة والعسكريّة الشرعيّة.
لقد فقد الحكيم دور المرشّح فقط، لأنّه ثبّت ترشّحه لأكثر من عشرين جلسة انتخابيّة، بحضور كتلته وكلّ حلفائه للإنتخاب، بينما لم يثبّت للفريق الآخر أي مرشّح، يدعمون من يسمّونه مرشّحا، ولم ينزلوا إلى جلسة انتخابيّة واحدة لانتخابه، بل اكتفوا بانتخاب الأوراق البيضاء في تلك الجلسة التي ثبّت فيها سمير جعجع هذا الترشّح.
المطلوب اليوم مواصفات خاصّة لرئيس يُنتجه كلّ اللبنانيين من دون أيّ تدخّل أجنبي. فأوروبا تتخبّط في مشاكلها الإقتصاديّة، وأميركا منشغلة باستيعاب إيران، من دون أن ننسى القوّة الإقتصاديّة المتنامية لدول الشرق الأدنى من الصين إلى الكوريّتين فاليابان وغيرها … أمّا الدّول العربيّة وفي طليعتها سوريا، فمتلهيّة بحروبها الدّاخليّة وبصراعها مع من أنتجته أنظمتها الديكتاتوريّة من منظّمات إرهابيّة باتت وحدها محدّدة لبوصلة الصراعات الدّمويّة التي تشهدها المنطقة. أمّا إسرائيل المتفرّجة والمستفيدة من كلّ ذلك، فلن تفتح جبهة على نفسها الا بعد استكمال مخطّطاتها الاستيطانيّة التوسّعيّة على حساب الشّعب الفلسطيني، أو حتّى على حساب المليون ونصف عربي الحاملين الجواز الإسرائيلي.
نعم هي المرّة الأولى التي يترك فيها لبنان ليواجه مصيره نفسه بنفسه، إمّا أن ينتج وفق نظامه السياسي الحالي أي الطائف، سلطة كاملة متكاملة، أو يبقى عرضة للتّجاذبات الإقليميّة.
نعم هي المرّة الأولى التي يُفرض فيها على لبنان أن يتحمّل المسؤوليّة السياسيّة وبالطرق السياسيّة وليس العسكريّة الميليشياويّة، ليتحمّل مسؤوليّة الجمهوريّة الثانية التي أسسها في الطائف ومن دون الدّعوة إلى الجمهوريّة الثالثة التي قد تحمل مشتقات الرقم ثلاثة إحدى أسسها.
إمّا أن ينتخب اللبنانيّون هذه الشّخصيّة أو عندها سنكون قد وضعنا حفنة التراب الأولى على الجمهوريّة والكيان. وهذا ما لن نسمح بحدوثه، وسنستمر نعمل بكل جهد للإطاحة بالفراغ من قصر بعبدا.