.jpg)
كتبت سيبال رزوق في “المسيرة” – العدد 1444:
هو من قدامى القدامى في تاريخ المقاومة والمخلصين للقضية. نديم كسرواني رمزٌ في منطقة المتن الجنوبي تتناقل اسمه الأجيال حين تحكي حكاية بطل من أبطال المعارك الشرسة في الحرب اللبنانية القديمة. يضع نديم مشاركته في الحرب تحت عنوان عريض هو “مسيرة المقاومة المسيحية” ويأبى تسميات أخرى بإمكانها أن تستهتر بدم رفاقه الأحياء والشهداء الذين ضحوا بشبابهم وأرواحهم وكل ما يمتلكوه دفاعًا عن وجودهم.
مرور نديم كسرواني بكل مراحل الحرب القاسية يشكل شهادة في حد ذاتها، هي نبذة عن تاريخ المقاومة المسيحية منذ ولادتها. يأسف نديم لواقع لمسه عند أغلبية الجيل الجديد الذي يجهل واقع تاريخ الحرب اللبنانية وحقيقة الأسباب والحيثيات التي أدت الى اندلاعها لذا يحرص على أن يتكلم عن تاريخ نشأة المقاومة اللبنانية وأن يشارك خبرته الشخصية مع الجيل الجديد ويخبره عن مرحلة ما قبل الحرب وينقل له الأسباب الجوهرية والحقيقية التي دفعته ورفاقه لحمل السلاح واتخاذ قرار الذهاب الى الموت بدلاً من الاستمتاع بأجمل أيام الشباب الذي لم ولن يعود يوماً.
.jpg)
ولد نديم في حارة حريك وعاش طفولته وشبابه فيها. فترة الشباب لم تكن عادية ولم يرَ فيها أيامًا يحسد عليها. منذ صغره كان يلاحظ المضايقات الكثيرة التي كانت تنتج عن هيمنة مسلحي التنظيمات الفلسطنيينة الذين شكلوا قوى ضاربة في مختلف المناطق اللبنانية ومن بينها حارة حريك التي كانت متداخلة مع مخيم برج البراجنة والغبيري.
عاش نديم الشاب اللبناني في بيئة لم يتكيّف معها إذ كان يلحظ وجود حواجز في منطقته حارة حريك لا تعود الى الجيش اللبناني بل الى منظمات فلسطينية تطلب بطاقات هوية الأهالي على الطرقات من جهة، وتأخذ مكان القوى الأمنية من جهة أخرى فتتدخل في حل المشاكل التي تحصل في الأحياء وبين أهالي البيت نفسه، حتى بين الزوج والزوجة وكأن سلطة المحاسبة باتت ملكهم وهم من يقرّرون إنصاف طرف معيّن ومعاقبة الطرف الآخر على طريقتهم الخاصة.
لم يستطع نديم استيعاب التدخل السافر للفلسطينيين في شؤون الدولة اللبنانية واللبنانيين بين بعضهم البعض.
.jpg)
وفي كل مرة كانت المجموعات الفلسطينية تطلق الرصاص عندما تشيّع أحد قتلاها خصوصًا بعد الحادث الذي حصل على طريق الكحّالة. كان ينتهي الأمر دومًا في إصابة أشخاص مدنيين الى أن أدّى الأمر مرة الى إصابة امرأة وقتلها.
عقب هذه الحادثة حصل الاحتكاك مع أهالي الكحّالة عندما كان الفلسطينيون ينتقلون في موكب مسلح على الطريق الدولية بين بيروت ودمشق. كان ذلك يوم ثلثاء. أما نهار الجمعة من الأسبوع نفسه في العام 1969 فكان مناسبة الجمعة العظيمة. وبينما كان عشرات المؤمنين في كنيسة حارة حريك يتشاركون قداس منتصف الليل تعرضت الكنيسة لإطلاق نار كثيف من قبل مجموعات فلسطنية ردًا على ما اعتبروه كمين الكحاّلة، علمًا أن حارة حريك لم يكن لها أي تدخل في “الكمين”، حتى أنها جغرافيًا بعيدة من المكان. لكنهم أرادوا الرد في مكان منعزل وفي وقت يوجد فيه المسيحيون في دور العبادة. نتيجة إطلاق النار في اتجاه الكنيسة حصلت هذه المجزرة المأساوية غير المبررة التي ارتكبت في حق أهالي حارة حريك. تلك الليلة استشهد نبيل كسرواني، أخ نديم، وجوزف الشمالي.
.jpg)
على الرغم من وجود “ثكنة مدرسة القتال” للجيش اللبناني في الحارة، اكتفى الجيش بحماية ثكنته ولم يتدخل للدفاع عن المواطنين الذين تعرّضوا لإطلاق نار لساعات طويلة.
كان نديم يسكن في بيت يقع على طريق المطار، وأمام بيته توجد حديقة فيها شجر ليمون وغوافا. كان يدخل فلسطينيون دومًا الى الحديقة يقطفون ثمار الفاكهة من دون استئذان ويذهبون مما كان يستفز نديم الذي كان يرى تعديًا على حرمة بيت أهله في كل مرّة، لكن أحدًا لم يكن يجرؤ على التوجه لهم بأي كلام أو منعهم من القيام بأي عمل.
عندما بلغ نديم الثماني عشرة سنة كان قد خاب أمله في الدولة التي لم تتدخل للدفاع عنه وعن أخيه في كنيسة حارة حريك ولم تحمِ أهالي منطقته والمناطق الأخرى التي كانت تتعرض لهجمات فلسطينية متكررة. هنا بدأ يدرك أنه بحاجة لحماية نفسه وحماية أهله ومحيطه. كان نديم قد اكتفى من سيطرة الفلسطينيين وقرّر كغيره المواجهة، فكان لسارقي الفاكهة الحصة الأولى من استنفاره إذ أطلق عليهم النار من جفت الصيد ليحرِّم عليهم دخول أملاك خاصة مرة أخرى.
بعد تحركات نديم العديدة ضد الفلسطينيين بات أحد أهدافهم فحضّروا له كميناً في العام 1973 أصيب فيه برصاصتين في كتفه مما ألحق أضرارًا في يديه ما زالت تمنعه من استخدام أصابع يده بشكل سليم.
يقول نديم “كان الفلسطنيون يريدون تحقيق أهدافهم على حساب لبنان حتى لو كان ذلك يقضي تدميره. وكان هذا الأمر واضحًا في كل خطاباتهم وأعمالهم وصولاً الى ما قاله أبو أياد: “طريق القدس تمرّ في جونية”.
يتابع نديم: “في حين دعمت الدول العربية كما شركاء الوطن الوجود الفلسطيني، قرّرنا في حزب “الكتائب” مواجهة هذه الأزمة بأنفسنا فقدمنا دماءنا وأموالنا للحفاظ على الكيان اللبناني ومنعًا لسيطرة أطراف خارجية ومتطرّفة على البلد، وبمحاربتنا المنظمات الفلسطينية المتطرّفة قدّمنا خدمة لكل فرقاء الوطن من مختلف الانتماءات. وصلنا الى مرحلة لم نعد نتحمل الاستفزازات التي يقوم بها الفلسطنيون ووجدنا أنفسنا في وضع خطر وحرج فلقد تعرضنا لهجومات كثيرة”.
.jpg)
هدف نديم الأسمى الإضاءة على روحية مقاتل المقاومة وهو يلخص تجربته قائلاً: “مسيرة المقاومة المسيحية الحديثة بدأت في العام 1969 حيث اضطررنا أن ندافع عن وجودنا كمسيحيين لأنه لم يكن أمامنا خيار آخر. حملنا أسلحتنا في ظل غياب الدولة وانتهاك المجموعات الفلسطينية كرامتنا وأملاكنا، وكانت الخطوة الأولى في شراء أسلحة وذخيرة من مالنا الخاص واتخاذ قرار بالمواجهة وكأننا نشتري الموت لأنفسنا. كنا مجموعة شباب مسيحيين، بدأنا من لا شيء، أسسنا المقاومة المسيحية، ولم يكن عملنا بمثابة وظيفة إذ لم نتقاضَ أجرًا مقابل خدمتنا، لكننا كنا ملتزمين بدورنا والمهام الموكلة إلينا بكل انضباط وكانت كلمتنا كلمة شرف لا نتنازل عنها. ذقنا مرارة الموت، وخسرنا رفاقاً استشهدوا أمام أعيننا وبين أيدينا. ولطالما كان رهاننا على الدولة لكن غيابها جعلنا نشعر بأن وجودنا في بلدنا بات مهددًا مما دفعنا الى التسلح لحماية أنفسنا. حتى خلال الحرب، كنا نطالب بتدخل فعلي للدولة على عكس ما يتهمنا البعض بأننا كنا نخضّر لانقلاب على الدولة. منذ أيام الشيخ بيار الجميل كانت المقاومة المسيحية تضع خطاً أحمر لثلاثية مقدسة وهي الجيش ورئاسة الجمهورية وبكركي”.
في تلك المرحلة التزمنا كمقاومين مسيحيين بقرارات حزب “الكتائب” الذي لم يكن مجهزًا بعد للحرب، فيما كان يلقى الفلسطينيون دعمًا من مختلف الدول العربية وخصوصًا سوريا. كنا نحارب بامكانيات متواضعة جدًا، ومن خلال مبادرات فردية وشخصية. كانت المقاومة عفوية وغير مجهّزة، وكانت مجموعات صغيرة في “الكتائب” تستلم نطاقاً جغرافيًا واسعًا وتقوم بمواجهة منظمات كبيرة تمتلك أسلحة متطورة وتضم عدداً كبيراً من المقاتلين.
في معركة الناعمة التي وقعت قبل أسبوعين من سقوط الدامور في كانون الثاني العام 1976 كان نديم ورفاقه الذين لم يتجاوز عددهم الـ 16 شاباً في مواجهة منظمة “الصاعقة” التي كانت تمتلك صواريخ ودبابات، وقد صمد الشباب لأربعة أيام في مقاومتهم الى أن أصيب 12 منهم بقذيفة مباشرة. استشهد أربعة على الفور وأصيب ثمانية إصابات بالغة من بينهم نديم الذي جرح في رقبته وحنجرته ورجله التي تلقت 36 شظية. لكن هذه الجروح أعطت نديم اندفاعاً أكثر في مقاومته. يقول: “أريد التأكيد أننا لم نساوم ولم نخضع يوماً لأي جهة بعيدة أو قريبة، بشير الجميل دفع ثمن الأسلحة عداً ونقداً كي لا يقدّم أي تنازلات. نحن المسيحيين لا نركع لأحد”.
.jpg)
من أصعب المواقف التي مرّ بها نديم كانت معركة خلال فصل الشتاء في بلدة بلاّ على جبهة الشمال. كان البرد قارسًا وكان الثلج يكسو الطرقات. كان نديم في موقع المراقبة مع رفيقه جورج حداد وراء تصوينة حديد يراقب أحدهما ويرتاح الآخر. في تلك الليلة كان المخطط يقضي بانسحاب كل الشباب الموجودين في الموقع قبل طلوع الضوء أي عند حوالى الساعة الخامسة فجراً. بعد وجود نديم لوقت طويل في مركز المراقبة نادى جورج عند الساعة الواحدة ليلاً لكي يناوب عنه بينما ينام نديم ويرتاح قليلاً قبل موعد الانسحاب. استيقظ نديم وتفاجأ أن ضوء النهار ساطع فبدأ يتساءل لماذا لم يوقظه جورج وهو يعلم أنه عليهم الانسحاب خلال عتمة الليل، وإذ به يسمع الشباب الموجودين في المركز ينادون “نديم… جورج… لماذا لم تنسحبوا”؟؟ توجه نديم الى الخارج فوجد جورج جاثيًا على الأرض وراح يناديه: جورج… جورج… فلم يرد. اقترب منه وما أن لمسه حتى وقع جورج على الأرض فتبيّن أنه استشهد إثر إصابة في رأسه أما جثته فتجمّدت من البرد والصقيع.
لم يستطع نديم التحرك أو الانسحاب لأن موقع المراقبة الذي كان فيه كان مستهدفاً من السوريين وكان يعلم أنه إذا تحرّك في ضوء النهار سيلقى حتفه فورًا، فاضطر أن يعود الى التصوينة الحديدية لينتظر غياب الشمس. لكن هذه المرة كان الانتظار مختلفاً، حيث أنه كان وحده ولم يكن لديه وقت حتى ينام أو يرتاح. تمركز نديم في مكانه المعتمد وأمامه جثة رفيقه المجلّدة الملقيّة على الأرض يحدق فيها. “كان منظرًا مرعبًا” يقول نديم، “أمضيت أكثر من 12 ساعة في هذا المكان ممدّدًا على الأرض من دون طعام ولا شراب بالكاد أتنفس وأنا أشاهد صديقي وحبيب قلبي جورج على بعد نصف متر جثة هامدة وكلما أنظر في عينيه أجدهما كالزجاج”… وعند غياب الشمس أبى نديم الانسحاب من دون أن يأخذ رفيقه الشهيد معه.
أمضى نديم أيام شبابه وهو ينتقل من معركة الى أخرى. رأى مجازر دامية. تسلّم مهمات مختلفة. وخدم في ثكنات عدة. أصيب وتألم وحمل جسده آثار الرصاص من تلك الحرب. أما ذاكرته فمليئة بالأحداث المؤلمة وصور رفاقه الذين استشهدوا أمامه بأبشع الطرق. ذكريات لا تفارق عقله الباطني حتى أنها شكلت حاجزًا بينه وبين الفرح الحقيقي. فمن تذوق مرارة الحرب وشاهد أبشع مخلفاتها من الصعب أن يعود ويستطعم بطعم السعادة الحقيقية بعدها، على حد قوله. وهو في كل مناسبة فرح يستذكر رفاقه الشهداء ويقول “كانوا بأول طلعتن يا ضيعان الشباب…” أما أسرة نديم المؤلفة من زوجة وأربعة أولاد فهي بالطبع مصدر السعادة الأول لنديم الذي منذ نهاية الحرب بدأ يهتم بالورود والشتول بدلا من السلاح واتخذ مهنة يمتّع من خلالها نظره بأجمل ما خلقته الطبيعة علّ هذه المناظر تنسيه مشاهد الحرب القاسية.
* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.