
يتم التعبير عن تقييمات الفرقاء المحليين للاتفاق النووي الايراني، من خلال نمطين:
النمط الأول، الممانع اللصيق بمنظومات الحرس الثوري، يحاول التقليل من وقع التلاقي مع العدو الأكبر – لا بل الشيطان الأكبر – باعتماد خطاب “إذلال الاستكبار وجرّه للاعتراف بحقوق الجمهورية الاسلامية”، ويحاول التقريظ على باقي الأفرقاء باعتماد خطاب “حليفكم الأميركي تخلى عنكم”.
النمط الثاني، هو نمط مناهضي المشروع الإيراني في المنطقة، الذين ينظرون للاتفاق على أنه تسليم أميركي بسطوة الحرس الثوري الإيراني، وخذل الغرب لحلفائه من العرب، معتبرين أن الأموال التي سترفد “صناديق الإمام”، ستصل إلى الحرس الثوري وملحقاته وتحقق استدامة مشروع تصدير الثورة بكل تفاصيله.
ويظهر النمط الأول – إعلامياً – على أنه المنتصر من الاتفاق وتنهج أدبياته منهج التفاؤلية الظاهرة، بينما يُظهِر النمط الثاني ميلاً للتشاؤم والتعبير عن الرفض. ولكن، ماذا لو كان التقييمان مخطئين؟ أو ماذا لو كان يجب عكسهما من ناحية التشاؤم والتفاؤل؟
هناك تقييم آخر لمجرى الأحداث وواقع ما حصل ويحصل وسيحصل، قد يصيب وقد لا يصيب، ولكنه يستحق التأمل خاصة إذا ما تم رفده بمجموعة كبيرة من الحوادث والوقائع التي توالت منذ سنوات. يرتكز هذا التقييم على النقاط الآتية:
أ- إن الفريق الإيراني الذي يفاوض هو غير الفريق الإيراني الذي يتمدد في الإقليم، وعلى خلاف داخلي معه وصل إلى حد المواجهات السياسية والاقتصادية والتصفيات الجسدية.
ب- إن الفريق الإيراني الذي يفاوض، بإدارة حسن روحاني (وأخوه حسين فريدون) وجواد ظريف، وبدعم داخلي من أكبر هاشمي رفسنجاني، هو الفريق “الأميركي” داخل إيران، والوريث الحالي لمشروع آية الله منتظري الذي تم ضربه في فترة افتضاح أمر “إيران كونترا”. وهو الفريق الذي يريد الخلاص من سطوة الحرس الثوري على السياسة والأمن والاقتصاد في الداخل الإيراني.
ج- إن الأموال المفرج عنها، وشحنة الإيجابيات التي سيبثها الإعلام المقرب من رفسنجاني وروحاني داخل إيران، سيتم استخدامها في السنة القادمة للفوز بانتخابات مجلس الخبراء الإيراني (الذي ينتخب المرشد) ومجلس الشورى (مجلس النواب).
د- إن السياسة الخارجية الأميركية التي حددت “الانتقال نحو شرق آسيا” (Pivot to Asia) كأحد أهم أولوياتها في الأعوام القادمة، تحتاج إلى أن تكون تركيا وباكستان وإيران من ضمن لائحة حلفائها. هذا الأمر إيرانيًا، لا يمكن أن يتم دون الانتهاء من الاعتراض الحرسي، ودون سيطرة حلفاء الأميركيين في الداخل الإيراني على اللعبة السياسية في الداخل من خلال صناديق الاقتراع النيابية واختيار مرشد جديد من خلال مجلس خبراء يميل لصالحهم (يُبنى هذا كله على توقّع تدهور سريع لصحة المرشد الحالي).
ه- إن أبرز المعترضين على الاتفاق النووي هم المملكة العربية السعودية وإسرائيل – أقله إعلامياً – والحرس الثوري. ويتخوّف هذا الأخير من أن يكون رأسه –ورأس ملحقاته – موضوعاً على طاولة المفاوضات، وهو الداخل بكل قدراته في وحول الإقليم ومساحات الاحتراب في المنطقة. وليس أمامه، لوقف مفاعيل ما يراه قادماً، سوى الاستمرار في التصعيد. بينما عملت السعودية على مسارين لمحاولة تطويق مفاعيل الاتفاق، أولهما المسار النفطي، وثانيهما المسار الهجومي في اليمن، والتعاوني في سوريا مع تركيا وقطر لتوحيد الفصائل المقاتلة بوجه الحرس الثوري وملحقاته وقوات النظام. وعملت إسرائيل من جانبها على أربعة مسارات، الأول هو إعطاب البرنامج النووي الإيراني، والثاني هو الكونغرس الأميركي الجديد، والثالث هو الاستفادة من الهجمة السعودية، والرابع هو الدخول بشراكات مالية مع الشركات الهندية والكورية الجنوبية التي جمّدت أموالًا مستحقة لإيران نتيجة العقوبات الأميركية.
و- إن التهديد الذي يمثله التوسع الحرسي بالنسبة للسعودية، والتهديد الذي تمثله صواريخه الاستراتيجية (خاصة تلك التي يمتلكها “حزب الله”) بالنسبة لإسرائيل، بالإضافة إلى التهديد الأمني والسياسي والاقتصادي الذي يمثله دوره في الداخل الإيراني بالنسبة لفريق روحاني/رفسنجاني، يجعل من هؤلاء، حلفاء موضوعيين، في مشروع إنهاء الحرس الثوري وأدواره جميعها. ويجعل من السعودية وإسرائيل، معترِضين علنيين على الاتفاق، وفاعلَين واقعيين في موضوع إنهاء الخطر المشترك على الثلاثة، هذا الإنهاء الذي قد لا يقوّض أصلًا ما يريده أوباما وروحاني من الاتفاق.
هذا التقييم ترفده الوقائع التالية:
أ- علائم التوجّس الحرسي من روحاني والخلافات والصراعات بينهما:
منذ انطلاق العملية الانتخابية الرئاسية في إيران عملياً، أي بعد عيد “النوروز” في 21 آذار 2013، وخلال تتابع سير الترشيحات والانسحابات والمناظرات التلفيزيونية، طفا على السطح تباين بدأ خفيًا ثم تتطوّر بين الحرس الثوري والمرشّح الرئاسي حينها حسن روحاني. ووصل الأمر بالحرس، إلى التهديد الصريح عبر الوسائل الإعلامية الملحقة به، بوجوب انسحاب روحاني من السباق، ولم ينتهِ باقتحام جماعة أمنية تابعة لرجل الدين المتشدد محمد تقي مصباح يزدي – الذي دعم ترشيح سعيد جليلي – لمقر حملة روحاني الانتخابية يوم الانتخابات.
ربما يعود هذا الحذر الحرسي من روحاني إلى تاريخ هذا الأخير كمفاوض مع الأميركيين والاسرائيليين في ما سمّي فيما بعد بفضيحة “إيران كونترا”، أو كمشارك في صياغة – التفاهم مع أميركا-بوش في حربي العراق وأفغانستان، أو كمسؤول عن إيقاف البرنامج النووي الإيراني في فترة 2003 – 2005 عندما اضطرت إيران لتقديم تنازلات للأميركيين الموجودين عسكريًا بمئات الآلاف في شرقها وغربها.
وجاءت خطوة أميركية أخرى وقتها، لتزيد من حذر الحرس تجاه الرئيس المقبل ولتزيد من الشكوك حول وجود اتصالات سرية بين الأميركيين ومجموعات “إصلاحية” من داخل النظام.
فقد أطلقت الولايات المتحدة العالم النووي الإيراني مجتبى عطارودي أواخر شهر نيسان 2013 بعد أن كان مسجونًا بتهمة شراء وتهريب معدّات متقدمة تستخدم في الصناعة النووية، ودخل الأراضي الإيرانية بعد إطلاق سراحه، عبر سلطنة عمان. طبعًا كان الشك بمحلّه، بعدما تبيّن أن الاتفاق النووي الأولي الذي بُتَّ في جينيف في تشرين الثاني 2013، كان قد مُهِّد له بلقاءات سرية في سلطنة عمان وجينيف بين أميركيين من فريق أوباما، وبين إيرانيين، وكان انتخاب روحاني انطلاقًا للعملية التفاوضية التي جرت تحت الطاولة، وتعبيراً عن رغبة إيرانية من جهة المرشد، في الجلوس على طاولة المفاوضات لحلحلة الأزمة الاقتصادية الإيرانية.
هذا التوجّس هو ما يفسّر هذا الخلاف الواضح بين الحرس وروحاني، وهذا التخبّط الغريب حتى في قراءات الحرس لواقع الأحداث، والذي لمسناه على لسان مسؤول مدرسة الكوادر في الحرس، والمنظر والاستراتيجي الأول عندهم، حسن عباسي، الذي لم يعد يعلم كيف يوصّف الحالة الإيرانية، أهي تراجع تكتي أم تراجع استراتيجي، والذي لم يعد يترك فرصة للتشكيك بنوايا روحاني (ساءله علنًا منذ فترة عن صحة ما يقال بشأن لقائه بإسرائيليين في ثمانينيات القرن المنصرم واعتبره غير أهل لإدارة البلاد وغير أهل للثقة إذا ما صحت الادعاءات هذه).
هذا التخبّط أدّى إلى مشاحنات بين الفريقين، كان من أوجهها الاعتراض على المكالمة الهاتفية بين روحاني والرئيس الأميركي، والصفعة التي وجهها وزير الخارجية محمد ظريف للحرس عندما انتقد من يقول إن الولايات المتحدة تخاف من الآلة العسكرية الإيرانية.
ومن أوجه الخلافات أيضاً، سعي روحاني إلى كف يد الحرس عن اللعبة السياسية والاقتصادية الداخلية، من خلال إقالة 32 محافظاً مقربين منهم وتعيين بدلاء عنهم، ومن خلال سحب مشاريع مهمة من يد الشركات التابعة للحرس، جاء الرد الحرسي عليها، باغتيال سفدار رحمة أبادي، نائب وزير الصناعة والتجارة والتعدين في حكومة روحاني. وإذا صدقنا ما قاله روحاني لأميرام نير، مستشار رئيس الوزراء الاسرائيلي لشؤون الارهاب – شيمون بيريز في حينها – في اجتماعهما في باريس في 25 أيار 1986 تحضيراً لشراء السلاح، حول سخطه من صرف الأموال الإيرانية لتمويل “مجموعة من العمائم الشيعة في لبنان تحقيقًا لمشروع أحمق اسمه إقامة جمهورية اسلامية في لبنان”، نفهم خوف الحرس وملحقاته من هذا الرئيس.
الاعتراض الحرسي لم يقف حينها عند عتبة روحاني ووصوله إلى الرئاسة، بل تعدّاه إلى الاعتراض على كلام للمرشد علي خامنئي في شهر آب 2013، وجاء هذا الاعتراض معبّرًا أشد تعبير عن التناقضات الداخلية الإيرانية. كان قد أورد خامنئي في اجتماعه مع الحرس الثوري في 17 آب 2013 أنّه لا يعارض الدبلوماسية وأنّه يؤمن بفكرة تسمّى “المرونة البطولية”.
العارفون بتاريخ الخامنئي وخلفيّته الفكرية، يعلمون أنّه عندما كان شابًان قام بترجمة كتاب “صلح الحسن عليه السلام” للشيخ رضى آل ياسين، وعنونه بالفارسية، ليصبح ما ترجمته: “صلح الإمام الحسن: أعظم مرونة بطولية في التاريخ”. الرد على كلام الخامنئي للحرس في 17 آب، جاء مباشرة من الحرس في 2 تشرين الاول 2013، على لسان المسؤول السياسي في الحرس الكولونيل رسول سنائي رعد، الذي قال إن المرونة البطولية تعني التمسّك بالميدان وليس التخلّي عنه، وأنّه يجب عدم التخلي عن المبادئ تحت حجة التغيير. وقال إن الظروف اليوم شبيهة بظروف صلح الحديبية الذي أعقبه فتح مكة. والعارفون بالتاريخ الاسلامي وواقعتَي الحديبية ومواضعة الإمام الحسن وتسليمه الحكم لمعاوية، يستطيعون جيّدًا تقدير الاختلاف بين الحرس والمرشد، والذي تم التعبير عنه بهذين الشكلين الآنفين.
ب- في الأعمال الإسرائيلية التي أدت لإعطاب البرنامج النووي الإيراني
البرنامج النووي الإيراني هو برنامج حقيقي، والخوف الإسرائيلي منه هو خوف حقيقي، لا تقلل من حقيقته كثرة التصريحات الاسرائيلية التي تقول منذ العام 1991 – بعد انتفاء معنى الـ Periphery Doctrine في السياسة الخارجية الاسرائيلية – بأن “إيران ستمتلك قنبلة نووية العام المقبل”. وقد شهدنا عملياً منذ عام 2009، خطوات إسرائيلية عدة لإعطاب البرنامج النووي الإيراني، وأهمها:
1- اغتيال العلماء النوويين الإيرانيين الأساسيين. وللمفارقة، فإن أهم هؤلاء العلماء الذين اغتيلوا، كانوا ممن شارك في لقاءات أكاديمية وفكرية جمعت علماء نوويين من منطقة الشرق الأوسط، ومنهم علماء إسرائيليين، في إطار مشروع SESAME لإنشاء مسرّع جزيئات في المنطقة، شبيه بمشروع CERN الأوروبي، تديره إسرائيل بالتعاون مع دول المنطقة ويشارك به علماء إيرانيون.
2- تفجير موقع الغدير وهو الموقع الرئيسي للصناعات الصاروخية الإيرانية ومقتل الجنرال في الحرس الثوري حسن مقدّم، المسؤول عن المشروع.
3- إرسال فيروسات ودودات رقمية، أهمها Stuxnet وFlame، أدّت إلى تخريب كبير في أجهزة الطرد المركزي، ويشتبه أنها كانت وراء التفجير الكبير الذي حدث في معمل فوردو النووي، الموجود تحت الأرض.
4- تفجير مصنع بارشين العسكري، والذي يُشتبه بحصول اختبارات داخله، تتعلّق بتقنيات تفجير الرؤوس النووية.
هذه الأعمال، إضافة إلى المراقبة الاسرائيلية الحثيثة لكامل أجزاء المشروع النووي الإيراني واختراقه بالتعاون مع المعارضة الإيرانية الرئيسية المتمثّلة بمنظمة “مجاهدي خلق”، تدلّ على الخوف الحقيقي الإسرائيلي من برنامج إيران النووي. ولكنها تعبّر في الوقت عينه عن أن هذا المشروع أصيب بعطب هيكلي، إذا ما أضيف إلى المراقبة الشديدة التي يخضع لها إسرائيليًا، يمكن القول إنه مشروع على طريق الانتهاء، وسيصبح بالتالي سلعة غير ذات قيمة لبيعها على طاولة المفاوضات، يجب تقديمها إلى جانب ما يوازيها أهمية – بالنسبة لإسرائيل – لكي يمر أي اتفاق.
ج- في الخطوات الاسرائيلية الساعية لتطويق الاتفاق النووي
لا يمكن تصوّر نجاح اتفاق نووي من هذا النوع، يعني إسرائيل بشكل مباشر لما يشكله من خطر استراتيجي عليها، من دون أن تكون موجودة هي على طاولة المفاوضات. وما يزيد من احتمال فشل تطبيق أي اتفاق نووي، هو المسار الذي انتهجته إسرائيل لتطويقه ولسحب آليات تنفيذه من أيدي المتحاورين، وذلك على عدة صعد:
استثمار العلاقة التي تجمع اليمين الاسرائيلي بالجمهوريين الذين يسيطرون على الكونغرس، لمنع إزالة العقوبات الرئيسة التي ضربت الاقتصاد الإيراني في الصميم. فالعقوبات الأميركية أتت عبر طريقين: عقوبات بقرارات تنفيذية رئاسية يستطيع الرئيس إلغاءها بقرار منه، وعقوبات بقوانين صادرة عن الكونغرس لا يلغيها إلا الكونغرس. وهذه هي العقوبات الأقسى التي تريد إيران بشكل سريع إزالتها، ولا يبدو أن الكونغرس سيكون متساهلًا في هذه الناحية، خخصوصا بعد القرارات الأخيرة التي أقرها مجلساه بشبه الإجماع.
شراء أسهم بنسب كبيرة والدخول بشراكات مالية مع الشركات الهندية والكورية الجنوبية التي جمّدت أموالًا مستحقة لإيران نتيجة العقوبات الأميركية، والتي تقدر قيمتها بـ 130 مليار دولار. وهذا الوجود الإسرائيلي في مجالس إدارة هذه الشركات، والذي أتى نتيجة شراء الأسهم الذي تكلمنا عنه، سيجعل الإسرائيلي شريكًا في القرار ما قد يعقّد إمكانية استرداد إيران لأموالها إذا ما أزيلت العقوبات، أو على أقل تقدير، سيؤخّره بأخذه إلى قضايا تحكيم دولية تطول جلساتها ويتأخر صدور أحكامها سنوات وسنوات. هذا ما هو حاصل الآن في قضية أنبوب العقبة الاستراتيجي الذي أنشئ على أيام الشاه، والذي أصبحت حقوق إيران فيه المتوجبة حتى اليوم على إسرائيل، ما قيمته 4 مليار دولار، يرفض رئيس الوزراء الاسرائيلي دفعها.
في خلاصة كل ما تقدم، إن الرئيس الأميركي، وفي إطار استراتيجية الانتقال إلى شرق آسيا لمحاربة الصين، مصمم على التوصل لاتفاق نووي والانفتاح على فريق معيّن في الداخل الإيراني، منذ ما قبل انتخاب روحاني. فالقناة السرية التي ظهر دورها لاحقًا في التحضير للمفاوضات، والتي تمركزت في سلطنة عمان، بدأت أعمالها منذ تموز 2012، وأتى انتخاب روحاني كشكل من تجاوب إيراني مع الخطوة الانفتاحية الأميركية التي بدأت في عهد أحمدي نجاد. وتدور شكوك كثيرة، حول طريقة تحويل الأموال التي سمحت الخطة المشتركة للتحرك (التي أقرتها المفاوضات السابقة) بالافراج عنها لمصلحة إيران، حيث هناك تقدير بوجود سعي أميركي لتقوية فريق روحاني في الداخل الإيراني، الذي تصل إليه الأموال بشكل مباشر عبر حقائب تنطلق من كوريا الجنوبية لتصل إلى مطار في إيران عبر سلطنة عمان، قيمتها 50 مليون دولار كل يومين.
تزيد من هذه الشكوك حدّةً، النظرية التي تتحدث عن التقاء مصالح بين الأميركيين وبين فريق روحاني، لدفع الحرس الثوري إلى واجهة الأعمال الحربية في المنطقة لإنهاكه وإنهائه. ففريق روحاني ومن ورائهم رفسنجاني يريدون الانتهاء من هذا العبء الأمني الاقتصادي الذي يمثله الحرس على مفاصل السلطة في الداخل الإيراني، والإدارة الأميركية تريد استنزاف أعدائها بضربهم بعضهم ببعض على مساحات الاحتراب في منطقة الشرق الأوسط، وتريد إيران في يدها.
لا يمكن الجزم بصحة هذه المقاربات وحقيقتها، عند السعوديين والاسرائيليين. فهؤلاء أقرب من يلمس الخطر الاستراتيجي الإيراني على الأرض، والذي يشكل الموضوع النووي موضوعًا شبه هامشي في منظومة الخطر التي يرونها. وقد استطاع الإسرائيلي عمليًا، أن يمسك بخيوط لعبة المفاوضات النووية من دون أن يكون جالساً على الطاولة، مستفيداً أكثر ما يستفيد، من الكونغرس الحالي وسيطرة الجمهوريين عليه.
إن ما سينتج تالياً، هو محاولات من قبل رافضي الاتفاق، لضرب مفاعيل هذا الاتفاق. الساحة الأولى والأهم، والتي ستشهد التطبيق العملي لاستراتيجيات جميع الأفرقاء هي الساحة السورية، (والساحة اللبنانية، بشكل ثانوي، من قبل الحرس الثوري).
إن الحرس الثوري الإيراني يحضر للحفاظ على مكتسباته في مرحلة ما بعد الأسد. وهذه بعض علائم السيطرة الحرسية في سوريا:
– تشكيل “حزب الله السوري” بإشراف الجنرال حسين همداني، وإعطاء قيادته لجهاد مغنية، ومن بعده لسمير القنطار بعد الغارة الاسرائيلية التي قتلت مغنية. من أحدث مآثر هذه الميليشيا، محاولة زرع عبوات على الحدود السورية مع إسرائيل، ما أدى إلى مقتل العناصر الأربعة الذين قاموا بالمحاولة، وهم دروز سوريون جندهم سمير القنطار.
– الاستراتيجية نحو استمالة الدروز أو إجبارهم على المشاركة في الحرب ضد السنة هي استراتيجية إيرانية. والمرجح أن اختيار درزي من معاوني علي مملوك، وهو نزيه حسون من ريف السويداء، ليحل مكان رستم غزالة في جهاز الأمن السياسي يدخل في هذا الإطار.
– عمليات تشييع ديني كبيرة في سوريا، وتهجير قسري للسكان وتغيير ديمغرافي على أساس طائفي، وسيطرة متزايدة على مساحات أوسع من الجغرافيا السورية في مناطق سيطرة محور طهران. وتوضحت أكثر هذه الاستراتيجية في ما تسرب عن تسوية إيرانية أميركية يتم بحثها لكي تقبل إيران بتنحي الأسد (اهم بنودها: دفع الديون المتراكمة على النظام السوري، عدم الادعاء على أي من الأطراف الإيرانية كمجرمي حرب، الاعتراف بالمواطنين الإيرانيين الذين حصلوا على الجنسية السورية خلال الأحداث واحترام ملكيتهم للعقارات التي يملكونها وتأمين حقوقهم الكاملة كسوريين، بعض الشروط العسكرية التي سيتم مناقشتها سراً وبوساطة روسية أميركية مع المعارضة السورية).
– سيطرة على مناطق النظام في سوريا في الشق الاقتصادي، حيث بُتّ موضوع فتح خط ائتمان للنظام بقيمة 1 مليار دولار مقابل إصدار قانون في سوريا يتعلق بتسهيل الاستثمارات والتملك، وعراب هذه السيطرة هو رستم قاسمي (رئيس لجنة تنمية العلاقات الاقتصادية الإيرانية السورية) المقرب من المتشددين في إيران.
سيحاول الحرس الثوري (الخائف من نتائج الاتفاق) تثبيت السيطرة على مناطق استراتيجية في سوريا ودفع السعودية بشكل مباشر إلى طاولة المساومات بالقوة، خاصة إذا ما بدأت معركة دمشق بشكل فعلي، وستحاول السعودية وإسرائيل الانتهاء من الحرس الثوري وملحقاته، بتدخل غير مباشر للأولى (من خلال دعم الفصائل المعارضة السورية المقاتلة) وبتدخل مباشر للثانية (بدأت أصلًا علائمه في الجنوب السوري). هذا السيناريو يخيف اللوبي الإيراني في واشنطن، وجاء التعبير عن هذا الخوف على لسان رئيس هذا اللوبي (تريتا بارسي) من خلال مقال كتبه في “الهافينغتون بوست”.
إن على الأفرقاء جميعًا، قراءة الاتفاق بروية وعدم التسرع بالتقييم وردود الأفعال.