إن ننسَ فلن ننسى: شهداء تموز يا شمس الحرية

 

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1516:

 

تموز ليس شهراً عابراً، وليس صيفاً متلهياً من صيفيات وطن، اذهبوا الى بعض من التاريخ واقرأوا، سترون ما يدهش تواريخ المقاومة في العالم، سترون مقاومي وشهداء شكا والشمال، تل الزعتر والضواحي، حرب المئة يوم في الاشرفية، سترون تاريخ وطن كُتب سطراً سطراً بالدماء وبين السطر والآخر حكاية تلك البيوت التي رزخت تحت النار، ثم عادت ذات صباح ودفنت أحزانها، علّقت صور شهدائها على شغاف القلب، وحملت عدّة الصيف وذهبت منتصبة القامة الى الحياة…

لم نكن هناك بطبيعة الحال، كنا بعد صغاراً وان كان بعضنا الآن يتمنى لو كان من بين الذين عايشوا التفاصيل وصنعوها، لما اندلعت معركتا تل الزعتر وشكا تحديداً، لم نكن نعرف أساساً ان ثمة بلدة في لبنان تحمل هذا الاسم،ولم نكن نفهم ما معنى “مخيم”، ولا كنا نعرف تلك العبارة الغريبة تحديداًالتي يرددها الكبار في أحاديثهم،”المرتزقة”، كنا نسمع بشيء ما اسمه “الكتائب” و”الأحرار” و”التنظيم” و”حراس الأرز”والجبهة اللبنانية، والفلسطينيون هم العدو، ثم بدأت تُضاف الى مفردات العدو كلمة “السوريون” و”القوميون” و”اليسار”.

في ذاك الوقت، أي تموز 1976، كان في ضيعتنا رجل سوري الجنسيةأتى اليها منذ أربع سنوات ويبيع الدخان لأهل الضيعة، ويؤدي لهم بعض الخدمات والتصليحات المنزلية، كان مهذباً جداً ولا يرد طلباً لأحد وكلامه قليل، الكل يحبّه ويثق به خصوصاً لأنه كان يبيع الدخان بأسعار متهاوية لأنها “بضاعة تهريب” بحسب ما كان يتهامس الأهالي. ذات صباح اختفى محمود من الضيعة، ولم يعرف أحد مصيره الا بعد حين، وكانت في الوقت عينه اشتدت معارك الشمال واحتدمت في مخيم تل الزعتر، وتبيّن لاحقا أن محمود ذاك ذهب الى شكا ليحارب الى جانب المسلحين الفلسطينيين وأعوانهم لاجتياح البلدات الشمالية تمهيداً لاحتلالها، وتبين ما هو أخطربعد، اذ انمحمود الذي آوته الضيعة واهتمت به وصار وكأنه من بين أبنائها، كان يتجسس عليها وعلى الجوار لمعرفة ما اذا كان شباب المنطقة سينضمون الى المقاومة المسيحية التي تقاتل ضد الفلسطينيين في تل الزعتر والمخيمات حيث كانوا يتوزعون، أو في الشمال وغيره من المناطق.

كان صيفاً حاراً جداً وكانت البلاد تغلي، ذات ليلة انقطع التيار الكهربائي عن الضيعة، أذكر تماماً، وكان القمر بدراً، وقف نحو عشرين رجلاً وشاباً عند زاوية طريق بيتنا يتحادثون والهم يصبغ الوجوه بألوان كالحة، وقفنا نستمع ولا نفهم ما يجري، قال أحدهم “عم يقولوا شكا محاصرة وكمان حامات وكل هالضيع هونيك رح يسقطوا بايد الفلسطينيين ومعن باكستانيين وصوماليين ومحاصرين الشباب والأهالي وفي كتير إلنا شهدا”، وصمت الجميع، جلسوا الى حافة الطريق يلتهمون من دخانات محمود ذاك، وفجأة  اخترق صفوفهم شاب من بين الأهالي وصرخ “عم يقولوا ع الراديو انو الجراس عم بتدق بشكا تـ ينزلوا الأهالي يدافعو عن مناطقن”، لم تنم ضيعتي تلك الليلة ولا لبنان المقطّع الأوصال المرمي تحت لهب تموز، كانت الأجراس تقرع  في القرى المسيحية كافة في ذاك الشمال لينزل الجميع الى الساحات للدفاع عن الارض والشرف، في وقت كانت المقاومة المسيحية بدأت زحفها من جبيل وكسروان وبيروت والضواحي لتردّ المهاجمين وتحرر شكا وتعيد الاهالي الى منازلهم، والمسلحين الى حيث كانوا، ولتستيقظ صباح 7 تموز وشكا محررة، وبدأت تحصي عدد قتلاهم والأهم عدد شهدائنا…

بعد أقل من اسبوعين، ولم تكد ترتاح الضيعة من أخبار الشمال، حتى بدأت روائح قوافل الشهداء تتناهى اليها من الوافدين من بيروت عن معركة مخيم تل الزعتر، بيروت مدينة الحلم بالنسبة الينا، المدينة التي لم نزرها بعد الا في خيال طفولي قروي ساذج، كانت أصبحت جبهة المقاومين، كتلة النار واللهب، مرمى العيون الحاسدة الحاقدة التي أرادت إما تطويعها لضمّها لاحقا أو حرقها بالكامل، وكانت بيروت تحترق ويحترق معها ولأجلها آلاف الشباب المسيحيين الذين قرروا اما الحياة بكرامة، أو الموت بكرامة كي لا يصبح الذل والاستسلام هما القاعدة.

لم تكن تملك الضيعة وجوارها سوى الصلاة لأجل الشباب، يوماً بعد آخر تُقرع أجراس الكنائس حين يعرف الاهالي أن المقاومة بخطر، وأن شهداءنا يسقطون بالعشرات في وقت كانت المعلومات التي تصل من مخيم تل الزعتر قليلة وغير متوافرة بالسرعة المطلوبة، اذ كان “تلفزيون لبنان” صار اثنين، شاشة للمنطقة الغربية واخرى للشرقية، وكل ينشر الاخبار بحسب ما يتوافق وسياسته،وكالعادة يجلس الرجال في الضيعة ويبدأون بتبادل المعلومات والاخبار، ذات صباح، وكنت أنام غالبا عند جدتي، سمعت يد ستي وهي تطرق بقوة على شيء ما، نهضت فوجدتها راكعة قرب صورة العذراء مريم وهي تضرب بقبضة يدها على قفصها الصدري، هي النحيلة التي لم تعرف يوماًلحماً فائضاً فوق جسمها لفرط عصبيتها وحنانها، وكانت تقول بحدة “دخلك تحمي هالشباب، نشالله بيهرّوا هالزعران الكلاب واحد ورا التاني، انصري هالشباب يا عدرا وصَبري قلب أهل لـ راحوا”،وجدي الدركي المتقاعد يجلس قبالتها يرتشف قهوته ببطء والحزن يقبض على معالم وجهه، والتفتت الي فجأة وصرخت “قومي ستي صار الضهر ركعي حدّي بدي علمك كيف بيصلّوا للشباب” وكانت الساعة الخامسة صباحاً، ركعت وأكاد أنهار من النعاس وصرت أردد ببغائيا ما تطلبهستي من العذراء، ونصف صلاتها شتيمة “نشالله بتهرّ وبتجلبط قصبتك يا جنبلاط ليش عم تساعد الفلسطينيي؟”… وحتى الساعة لم أعرف من أين حصلت ستي على كل تلك المعلومات، وكيف كان لها أن تفهم في السياسة؟!

كان مخيم “تل الزعتر” قلعة الفلسطينيين المحصّنة بكل أنواع الاسلحة، كانت مدينة فوق الارض وتحتها محشوة بمستودعات الذخائر وما شابه ويطل مباشرة على بيروت، ومن هناك من تلك التلة الصغيرة يقصف المناطق الشرقية عشوائياً، والمقاومة المسيحية تدافع بما توافر لها ويسقط الشهداء هنا وهناك والمخيم يزداد استعدادا وعديداً، الى أن جاء القرار الكبير وهجمت المقاومة على ذاك المخيم وخاضت واحدة من أشرس وأشرف معاركها الوجودية، وسقط ذاك المناضل وليم حاوي وكان 13 تموز 1976، وجنَّت المقاومة وقررت انها لن تنسحب ما لم يُدمّر المخيم بالكامل، وهذا ما حصل، لكن العلم الذي رُفع فوق التلة كان يقطر دماء غزيرة، دماء عشرات الشباب الذين تركوا الحياة بكل معالمها الحلوة ليصنعوا لوطنهم الحياة بمعالمها الحقيقية… وقرعت الاجراس فرحاً وحزناً في الضيعة، انتهت معركة تل الزعتر، انتصر الشباب، وسقط شباب ليرتفعوا في ذاكرة الناس أبطالا من أبطال تموز…

جاء تموز آخر، ولم تنته الحرب، بعد سنة، كنا بدأنا نفهم في العبارات العسكرية، الحصار، القصف العشوائي، ياسر عرفات وتلك الكوفية المرقطة بالابيض والاسود، وهنا ثمة حادثة، أو لعلها مفارقة، كان الفلاحون في الضيعة، ولا زالوا، يعتمرون الكفافي البيض غالباً وأحياناًيشترون من بائع يجرّ دابّته من قرى بقاعية مترامية على ضفة النهر المقابلة، كفافي شبيهة بتلك التي كان يلبسها ياسر عرفات، ليس تشبها به طبعاً انما بالصدفة، بعد سقوط مخيم تل الزعتر صار يرفض الفلاحون في الضيعة شراءها ويصّرون على الكفافي البيض دلالة على هوية الفلاح اللبناني الاصيل، كانوا يعتبرون ان تلك الكوفية إهانة للشهداء الذين سقطوا لتبقى هوية الوطن، بمعنى آخر كان أصبح شهداء المقاومة المسيحية جزءاً من منظومة كل بيت لبناني صميم، وطبعا كنا بدأنا نفهم نوايا حافظ الاسد.

والأهم من كل ذلك كان ثمة قائد بدأ يتحول الى ما يشبه الايقونة في ضميرنا، الشيخ بشير، في البيوت كانت شبه صلاة يومية موحدة تردد “يا عدرا تحمي الشباب والشيخ بشير”، وكان بدأ تموز الـ 1978 والناس كانت تتحدث عن حرب ضروس تستعر في قلب الاشرفية، كل بيت في الضيعة كان له بيت او قلب، ابن أو ابنة يتعلمون في جامعات بيروت وتسكن غالبيتهم في الاشرفية، وجاء “هولاكو” ليدكّ معقل المقاومة، لم يعد يتحمّل هذا الفائض من الرفض والاستسلام لاهوائه، ما عاد يتحمّل ان يتبقى في لبنان رؤوس لا تنحني له تحت وابل الذل، ولا تنكسر لديكتاتور حوّل شعبه الى أغنام، أرقام،أجساد هائمة بلا حياة، كان قرر اما أن يطوّع الاشرفية والشرقية بكاملها والا الموت والدمار للجميع، وبدأ الدمار ينهمر مباشرة فوق رؤوس الأبرياء والمقاومين في الاشرفية.

كانت الضيعة تجلس كل الليل ساهرة على الفيراندا تنتظر خبراً سيئاً ما، وكانت الاخبار المخيفة تتهالك فوق القلوب الساهرة والكل في الانتظار، كانت معلومات تصل من هناك وهنالك عن مقاومة غريبة لشباب وقفوا عند حدود الاشرفية مثل قدر أسود انتصب بوجه دبابات حافظ الاسد ذاك، مئة يوم وهو يدك الاشرفية وعين الرمانة والحدث والتحويطة وفرن الشباك وغيرهابأعنف ما عرفته من قصف طيلة سنوات الحرب، ولم يتمكن من اقتحامها، تحولت الاشرفية الى كتلة لهب، الى كتلة مقاومة، ناس للمتاريس، ناس للاسعافات، ناس لتأمين الخبز والمؤن، والشباب ينهمرون دفاعاً وجروحاً واستشهاداً، وبعد مئة يوم انسحب هولاكو، اندحر، خرج مهزوماً ذليلاً وبقيت الاشرفية وناس الاشرفية، ورقصت ذات صباح على وقع نعوشها البيض، فبكت وضحكت وقرعت أجراسها لأن قافلة التوابيت المتوجهة الى المقبرة بيتا أبديا، عمّرت كرامة لبنان وجعلت منها بيته الـبدي.

بكت الضيعة يوم انتهاء الحصار، فرحت وحزنت، قرعت أجراسها للانتصار واغدقت الدمع على من صار نزيل السماء لأجلنا. ومذ تلك الايام ولمفكرة تموز في الضيعة، سطور يرويها مقاوم عتيق، يجلس تحت العريشة ويخبرنا بشجن وشغف “لو ما يموت شباب بلبنان ما كان مرق علينا ولا تموز ونحنا عايشين الصيف، كنا ما شفنا الا الخريف، وكنا قتلنا شهداءنا كل تموز الف مرة بعد، قوموا نصلي لشهدا تموز جدي”… وأذهب معه لأركع أمام العذراء… ونصلي لشهداء تموز وشمس الحرية وقمح البطولة.

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسَ فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل