من يسمع “حزب الله” بلسان رئيس كتلته النيابيّة محمّد رعد يقول: “إنّ إيران مرّغت أنف العالم”، يدرك فداحة التشويش وسوء الرؤية اللذين أصابا البصر والبصيرة لدى مركز “الممانعة” وفروعها.
فلا يختلف إثنان على حاجة نظام “الحرس الثوري” إلى الظهور بمظهر المنتصر على العالم والعرب في “الاتفاق النووي”، والتلويح بمزيد من إطاحة التوازنات العسكريّة والسياسيّة في الإقليم، وكأنّما مجموعة الـ 5+1 أطلقت يده بلا حساب في إنتاج السلاح النووي، ومن أفغانستان إلى لبنان وسائر المشرق والخليج!
في الواقع، سال حبرٌ كثير، في الغرب قبل الشرق، عن المكاسب التي حقّقتها إيران بدءاً بالـ 150 مليار دولار وحريّة امتلاك الطاقة النوويّة، وصولاً إلى دورها في استراتيجيّات المنطقة وإعادة تركيبها. ولا يخفى ما في كلام الغرب، عبر إعلامه وبعض مسؤوليه، من خبث مضمر لتضخيم أحجام وأوزان تمهيداً لتصغيرها.
وليس كلّ ما يُقال عن عملقة إيران صادق وصحيح، بل فيه الكثير من سياسة نفخ البالون لتنفيسه أو تفجيره. فكلّ عوامل التفجير موجودة داخل إيران وفي محيطها، ومن السهل على العالم تحريك هذه العوامل عند الضرورة.
وليست مسألة تحرير عدن من النفوذ الإيراني تفصيلاً بسيطاً بتوقيته وبُعده. وهو نموذج مرشّح للتكرار داخل اليمن نفسها، وفي العراق وسوريّا.. ولبنان، لِمَ لا؟
المدقّقون في موازين القوى يقولون إنّ قدرة إيران العسكريّة بلغت ذروتها في السنتين الأخيرتين، وهذا هو أقصى ما يمكن أن تحقّقه من تمدّد ونفوذ وسيطرة وتحكّم. ويضيفون أنّ رفع الحظر عن أموالها المجمّدة وإلغاء العقوبات لن يزيدا طاقتها على السيطرة وبسط النفوذ، بل سيتمّ استخدامهما في تخفيف الأعباء الاقتصاديّة والاحتقانات الاجتماعيّة في الداخل، ولا يمكن استثمارهما في حروب ونزاعات خارجيّة إضافيّة.
ويأخذون، في هذا المجال، نموذج “حزب الله” في لبنان وسوريّا، حيث بلغ حجمه الأقصى تسليحاً وتمويلاً وتحشيداً واستنزافاً، وبات في حاجة إلى ترتيبات تمنع تفاقم مأزقه. وهذا ما يفسّر حرصه على الحكومة السلاميّة، وعلى الاستمرار في حوار الحدّ الأدنى مع “تيّار المستقبل”، وعلى الإيعاز لبعض حلفائه بكبح جموحات ميشال عون في الزمان والمكان غير المناسبين.
لذلك، يكتفي بتأييد نظري لموقف عون من أجل الحفاظ على ما بقي من “ورقة” تغطّيه، ويسمح له بتحرّكات فولكلوريّة شعبويّة لا تؤذي حالته الهشّة.
فإذا كان أحد أذرع إيران في المنطقة ، “حزب الله”، بلغ حالة الاشباع، وليس في مقدوره تخطّي الحجم الذي بلغه ولو بتمويل إضافي، تكون إيران نفسها قد بلغت حجم إشباعها بذاتها، ولم تعُد في وضع الهجوم والانتشار بل في وضع الدفاع والانحسار.
وقد أتى التحذير السعودي من استخدام إيران أموالها المفرج عنها في مغامرات جديدة، بمثابة جرس إنذار لمنع طهران من ركوب رأسها في تهوّر جديد، ولا يزال الدرس اليمني، ب”عاصفة الحزم” وبأمثولته العدنيّة الأخيرة، حيّاً وماثلاً.
وفي علم النفس السياسي والاجتماعي أنّ حالة الارتياح والرخاء تحوّل المجتمعات من بؤر توتّر وصدام وميل إلى العنف والقتال، إلى بيئة مسالمة راغبة في الاستقرار وحبّ الحياة.
فأيّ انتعاش اقتصادي واجتماعي في إيران سيصبّ في اتجاه تعزيز وضع الاصلاحيّين الذين سبقوا بطانة “الحرس الثوري” إلى التهليل للاتفاق والتعبير عن مكنوناتهم ومكبوتاتهم في الانفتاح على العالم.
لذلك، ستشهد إيران مرحلة تحوّل، على المدى المتوسّط، نحو الأخذ بنمط الغرب في الحياة، تحت تأثير مئات الشركات وآلاف الخبراء والموظّفين الغربيّين وعائلاتهم. الأمر الذي لا بدّ من أن ينعكس على نظام “الحرس” والملالي والآيات.
لا يُعقل أن يجلس النظام الإيراني بحالته الراهنة في حضن الغرب والمجتمع الدولي، فولاية الفقيه غير مطابقة لمعايير الأمم وقيم العصر، ولا بدّ من تكييف هذه “الولاية” كي يتقبّلها العصر.
في الشكل، العالم يأتي إلى إيران بشركاته واستثماراته. أمّا في المضمون، فإيران هي التي تذهب إليه. هو ثابت وهي تتغيّر. والتاريخ القديم والحديث يُقدّم أمثلة واضحة، آخرها كوبا بعد الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقيّة، ولاحقاً فنزويلا وكوريا الشماليّة، وإيران حتماً.
والدول التي لا تذهب إلى العالم وتنتمي إليه يحلّ فيها ما حلّ بليبيا وسوريّا والعراق واليمن والصومال.. وليس اكتشافاً قول القائل: بعد الاتفاق النووي ليس كما قبله.
باتت إيران أمام قاموس جديد في القول والفعل، خارج “الجبهة العالميّة ضدّ الشيطان الأكبر” والاستكبار، محكومة بالدخول إلى العصر بقوانينه وشروطه. وهذا هو عمق الإنجاز في “الاتفاق النووي”.
وما سوى ذلك ليس إلاّ خبْطاً في السياسة اليوميّة وأحكام النيّات، وشعارات “تمريغ الأنوف”.