Site icon Lebanese Forces Official Website

سجون وساحات – المحامي جهاد عبدالله: فتح باب المصعد وظهر أمامي الدكتور جعجع

كتبت أوغيت سلامة في مجلة “المسيرة” – العدد 1439:

من تل الزعتر صبيًا، الى مصلحة الطلاب في “الكتائب اللبنانية”، الى أمين سرّ مكتب “القوات اللبنانية” في بيروت، إتخذ جهاد عبدالله المنحى السياسي من البداية إلا في الأوقات الحرجة عسكريًا وعندما كان يدقّ النفير.

دخل الى الحقوق صدفة لأن العمل القواتي إبان الحرب كان يأخذ كل وقته، كان همه أن يحصّل أي شهادة جامعية كي لا يخرج من “المولد بلا حمص” كما يقول وتضيع كل تلك السنوات من دون إختصاص يطعم خبزًا.

عندما تم توقيف الدكتور سمير جعجع كان جهاد محاميًا شابًا في الاستئناف وتوكل عنه بواسطة المحامي أسعد ابي رعد ليشكل مع زميله ورفيقه المحامي سميح بشراوي فريق عمل مساعد للأستاذ أبي رعد وثنائيًا يزور الحكيم في الأوقات المحددة أسبوعيًا على مدى 5 أعوام من دون إنقطاع.

كيف دخل جهاد عبدالله الى قضية العصر تلك وكيف قاوم من خلالها محاولة إغتيال مجتمع مسيحي بأمه وأبيه من خلال سجن قائده ورمز مقاومته؟!!

بصعوبة يمكن أن يفصح جهاد عبدالله عن أسرار ذاك الزمن والأحداث التي عاشها إبان المحاكمات في قضيتي تفجير كنيسة سيدة النجاة وإغتيال الشهيد داني شمعون… وعندما يتذكّر تختنق الكلمات في حلقه و… يبتسم.

 

يعود الى 21 نيسان 1994 ويتذكر: “في ذاك اليوم عندما إقتادوا الدكتور جعجع الى وزارة الدفاع موقوفًا نزلت مع الأستاذ أسعد أبي رعد الى النيابة العامة التمييزية في العدلية كي نتابع قضية التوقيف ونعرف الى أين إقتادوا الحكيم ولنحرص على أخذ إفادته كي تسير الأمور في المجرى القانوني ولا تميّع مسألة التوقيف لأن الوضع كان ضاغطًا الى حد كبير وبشكل مفاجئ. كل الخطوات التي بدأناها كانت لمحاولة إستيعاب ما حصل ووقف تقدم هذا الهجوم النوعي الذي تعرضنا له”.

بصعوبة يمكن أن تعيد جهاد الى مشهدية تلك الأيام والمشاعر التي رافقتها. تنتقل الى محور آخر لعله أسهل تسأله “طيب متى كانت زيارتكم الأولى للحكيم وكيف جرت الأمور تلك اللحظة؟”. يجيب: “اول زيارة الى السجن كانت بعد نحو أسبوع، كنت أنا وسميح بشراوي وشربل مطر وريشار شمعون وأنطوان مارديني، إنتظرنا في الخارج نحو الساعة ونصف الساعة لأنهم لم يكونوا مدركين ماذا يفعلون وهل يجب أن يسمحوا لنا بالمواجهة على رغم إذن مدعي عام التمييز. ربما أرادوا تيئيسنا من مدة الإنتظار الطويلة. مع ذلك لم نيأس وقابلناه للمرة الأولى ومن دون عازل بيننا في مكتب صغير”.

يتوقف قليلًا ليستأنف الحديث حريصًا على نقل الواقع حينها ويقول: “مع كل الضغط الذي كان يتعرض له حضر أمامنا سمير جعجع القائد. كان واضحًا الضغط عليه لكن الصلابة التي يتمتع بها جعلت من معنوياته أصلب في تلك اللحظات. لم يكن لقاءً طويلا، سلّمنا عليه وسلّم على كل منا. كانت الزيارة مختصرة، لا أحد كان يعرف كيف يجب أن تكون آليتها، أي لا هُم كانوا يعرفون كيف يتعاملون مع الموقوف وحقوقه، ونحن كان همّنا أن نراه ونطمئن عليه ونبلغه أن هناك من يتابع الموضوع وأن الأمر ليس متروكًا. مدة الزيارة لم تتجاوز الدقائق العشرة لم نتمكن من تبادل حديث مطوّل فقط أطراف من أسئلة وأجوبة مقتضبة، علمًا أنني كنت رأيته قبل ذلك في العدلية وكان مضى على توقيفه نحو 72 ساعة. كانوا يقتادونه الى مكتب الرئيس منير حنين ولم نكن نعرف توقيت جلسة إستجوابه، وقتها كان الأستاذ أسعد أبي رعد والأستاذ أميل رحمة ينتظرانه في مكتب حنين، عندما وصلت الى طابق النيابة العامة التمييزية، وأنا أهمّ بالدخول من الباب، فُتح باب المصعد قبالته فكان لقائي الأول بالحكيم وسلام سريع… أعتقد أن نظرته وقتها ترجمت بعض الإرتياح لأنه صادف شخصًا يعرفه وأنه ليسولن يكون وحيدًا. تبِعتهم على رغم السرعة التي إقتادوه بها الى مكتب الرئيس حنين لكنني لم أتمكن من الدخول لأن جلسات الإستماع لم يكن يسمح بحضورها إلا لمحام واحد من محامي الدفاع، وأعتقد أن الأستاذ إميل رحمة حضرها حينها لأنني أذكر أنه أخبرنا أنه أعطى الحكيم حزامه كي يلف بنطلونه الذي بات واسعًا بشكل معيب لشدة ما فقد من وزن في غضون أيام”.

يتابع عبدالله: “كانت المرة الأولى التي يوقف فيها رجل وقائد عسكري وسياسي بهذا الحجم، والخضّة لا بل خلط الأوراق الذي أصاب المجتمع اللبناني آنذاك خصوصًا الشق المسيحي منه طغى على كل شيء حينها، حتى أصبح كل ما عدا هذا الموضوع تفاصيل ثانوية. لا سيما أن صِلة الوصل الوحيدة له مع العالم الخارجي كانت بواسطة المحامين، فكانت مناقشة الملفات معه والاستجوابات بشكل يومي في البداية وبالنقاط. وبقينا على هذا النمط طيلة مدة الجلسات في قضية تفجير الكنيسة التي “إستؤخرت” في ما بعد لمصلحة قضية إغتيال الشهيد داني شمعون. بعدها عادت جلسات الكنيسة لكن كنا نحن قد بدأنا هنا بالحضور كمراقبين لا كمحامين بعد الموقف الذي إتخذناه وإنسحابنا من المحاكمة إعتراضًا على ما يحصل. حتى المحامين الذين عيّنتهم نقابة المحامين إنسحب منهم إثنان وبقي الأستاذ محمود خيّش الذي طلب الدكتور جعجع من المحكمة إقالته من القضية معتبرًا أنه لا يمثله، ثم هدده بالادعاء عليه فانسحب. فأكملت القضية من دون محامين وإقتصرت على دفاع الحكيم عن نفسه من خلال المرافعات الشهيرة التي تولاها هو بنفسه بينما ترافع المحامي جورج نجم عن جرجس الخوري. كنا مصرّين على تطبيق أصول المحاكمات بحذافيرها لذا كانت تقرأ الملفات كلمة كلمة وكانت تضمّ مئات الأوراق، الرئيس فيليب خيرالله كان دقيقًا في تطبيق هذه الأمور كي يقطع علينا سبل الإعتراض الدائم متسلحين بمسألة الأصول”.

يضيف عبدالله: “في هذه الفترة كنا نلتقي الدكتور جعجع في الأوقات المحددة قبل الظهر ثم نعمل ساعات بعد الظهر لتحضير ملفاتنا، وفي ساعات المساء نتوجه الى بيت الحكيم في يسوع الملك حيث نلتقي جميعًا مع ستريدا لتبادل الأفكار والمعلومات. هذا النمط اليومي بقي يتكرّر طيلة 5 سنوات. بعدها نظموا المسألة أكثر وفتحت علينا العيون فبتنا نراه 3 أيام في الأسبوع وباقي الأيام لعائلته. أعتقد أنهم إعتمدوا هذا الأسلوب ليرتاحوا منا بضعة أيام في الأسبوع ومن نكَدِنا. فالمحامي في الأساس متعب فكم بالحري إذا كانت قضيته كقضيتنا وسجينه كسجيننا!!.

شهدنا حربًا باردة بين المحامين وادارة السجن، فبالنسبة إلينا هناك موقوف واحد هو سمير جعجع بينما كان لإدارة السجن مئة همّ غيرنا. من هنا كانت المناوشات بيننا وجلسات الانتظار لساعات قبل كل زيارة يوميًا.

كنا نعمل على ملفات ثقيلة وكبيرة لا تطال “القوات اللبنانية” وحدها بل كل المسيحيين المؤيدين منهم لـ “القوات” وغير المؤيدين. فبعد فترة من التوقيف تبين أنه غير قانوني وأن همّ الدولة حينذاك لم يكن كشف الجرائم بل إنجاز التوقيف السياسي، مما إستدعى جهدًا كبيرًا لإثبات دوافع الإتهامات وفضح هذه الدوافع للرأي العام والتأكيد له بالقرائن والإثباتات أن سمير جعجع يحاكم لأنه زعيم مسيحي رفض أن يمشي في الصف ولم ينضمّ الى ركاب البوسطة كغيره. تعاطف الناس حتى من غير المسيحيين الذين شكلوا حينها شريحة كبيرة كان مُحفّزًا لنا للمضي قُدمًا، فما كان يكتب في الصحف من مواقف مؤيدة ومتعاطفة لم يكن من قِبل قواتيين بل من فئة أدركت أن تلك المحاكمات لم تكن قضائية بل سياسية تتلطى خلف فبركات قضائية مشغولة تقنيًا بشكل قضائي في ظل سلطة قضائية خاضعة لسلطة الوصاية.

كلفة ما فعلناه لا يمكن أن تقدّر ولا يمكن أن تُحسب عواقبها علمًا أنني لست إنتحاريًا في قراراتي لكنني قادر على التضحية في سبيل تحقيق ما أريد حتى… الموت. أقول هذا لأوكد أنني كنت أفكر قبل أي خطوة، ولأنني كنت مقتنعًا، أقدمت على ما أقدمت عليه ودافعت عن الدكتور جعجع حتى الرمق الأخير.

بعد خروج الدكتور جعجع من السجن زرته في الأرز وإطمأنيت عليه. بعدها رأيته إبان ترشيح الأستاذ نبيل طوبيا لمجلس النقابة… عندما دخل القاعة الكبرى وكانت تعجّ بأكثر من 500 محام غمرني ووقف يسألني عن أحوالي وعن عائلتي وإستغرقت دردشتنا دقائق عدة. بعد اللقاء تساءل كثر لماذا جهاد عبدالله نال وحده حظوة السلام الحار؟ فكان رد الحكيم واضحًا: ” لأن لجهاد عبدالله الكثير هنا”.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

Exit mobile version