
الاول من آب وآخره وعلى مدى المواسم، نلقي التحية. عيد الجيش. برأيي ليس من المفترض أن يخصص لك يوم للاحتفال أو الذكرى، اذ ان وجودك من بدهيات الوطن، الوطن يعني أنت وأنت هو البعض الكبير الكثير من الوطن فلماذا العيد؟! ليس من زمن بعيد صرنا نحتفل بك، منذ زمن الحرب تحديداً أتعرف لماذا؟ لمّا بدأنا نخاف عليك، لمّا شعرنا أن الخسارة صارت على باب الكرامة، وأنك ستزحل مع كل ما هو جميل وكبير يزحل كجبل تحت وطأة بركان في هذه الارض.
هذه هي الحياة دائماً،نهرع في آخر اللحظات لالتقاط من نحب ونفعل لأجله كل شيء ممكن كي لا تدمينا خسارته، وخسارتك كانت خسارة وطن وأرض وانشودة تاريخ وجغرافيا، فقرروا يومذاك أن يصنعوا لك عيداَ ليقنعوا أنفسهم أولاً انك لن تفلت من ايادينا ولن تتركنا طعماً سهلاً لاحتلال خارجي أو داخلي لا يهم، المهم كان ألا نفقد الحماية، وثانيا الشعور بأن ثمة من يسند لنا الظهر المتعب المثقل بالخوف وبالأحمال، ألا نفقد آخر الامال بوطن حر، فكنت أنت.
لا أحب الكليشيهات التقليدية حين يتحدثون عنك، أنت سياجنا وعمودنا الفقري وتاجنا وراسنا المرفوع و…و…وما شابه من عبارات، ثمة ما هو أبعد بكثير من تلك المشاعر وان كانت صحيحة مئة في المئة، أوغل فينا الخطرالى درجة أن ما عدنا نشعر به، تخدّرنا، ثمة من يجب أن يبقى متيقظاً لينتشلنا من الادمان، تغللت فينا اللامسؤولية الى درجة الادمان، ثمة من يقف بعد على سلاح الوعي لينقذ منا ما تبقّى من حسّ الوطنية، دخلنا في دهليز اللانسانية، الى هنا وصلت فينا الامور، ثمّة من يتمترس على حدود الضمير ليعيد لنا بعضاً من وهج الانسان، ولن أتحدث عن سياج الوطن والكرامة والدفاع عن الارض والشرف، هي كما قلت البدهيات يا وطن، هي أنت يا جيشه.
لا الأول من آب ولا آخره ولا شهور السنة مجتمعة، يمكن أن تكون يوماً عيدك، هذا بمنطق الامور والعسكر والاعياد وما شابه، هراء، لكن يجب أن يكون يوماً من تلك المواسم مخصص لعيدك كي لا تصير كل الارض هراء ما لم نذكّر ناسها من وقت لاخر، بأن بندقية الجيش وحدها تجعل من التراب أرضاً للمواسم الخصبة، ومن الحدود المسيّجة خطراً حدوداً تزهر أعراس كرامة لتعيش بين أسوارها الحرية. لذلك أحب الأول من آب لاني ما زلت أخاف، أموت خوفاً، لأن الخطر ما زال يرقص بجنون انشودة الموت فوق تلك البندقية تحديداً، وانا لا أحتمل رؤية بندقية أخرى زنديقة تشارك بالقوة والتسلّط والعنجهية بندقية الشرف تلك، ولا أريد ولا أستطيع أن أحمل عنك الزناد، هذه ليست مسؤوليتي ولا هو عملي، الزناد هو لك، حماية الارض لك، الوطن كله يناديك “كن السياج والكرامة والبندقية وارفعها بوجه كل من يمد آياديه على كل تلك المقدسات فيك وفي الوطن”، ومن بعدها على كل اولئك الغرباء والمستكبرين والكذبة والبنادق المتربصة تسلطا وكبرياء، السلام، وليذهبوا الى جحيم الايام أو أي جحيم يختارونه بعيداً عنك، بعيداً عنا، بعيداً عن أرض نهمة جشعة لا ترتوي من دماء الشباب، من كفاحهم استشهادهم عنادهم لاجلها، عشقهم لها، ومع ذلك تبقى الارض الاحلى تلك الغاوية العاشقة التي ترقص فوق الشغاف ولا تشبع لا حباً ولا جمالاً رغم ما يشوبها من بشاعات وفظاعات.
الاول من آب، لأننا خفنا قررنا أن نحتفل بعيدك، وفي الخوف كل الحب، ومع الحب، غير الحنان، تلك الثورة الجامحة المكبوتة التي تنتظر اعلان ساعة الصفر للانطلاق معك، لبناء سياج جمهورية عادلة وحازمة بآن، حلوة حلوة مثل لبنان، تلبس مع الوان فصولها تلك البدلة الزيتية المرقطة ليتلوّن معها لبنان بالعز وبيلبقلك تزيّن بلادك وبلادك تتزيّن فيك…
