
كتبت أوغيت سلامة في مجلة “المسيرة” – العدد 1440:
جنّد نفسه طيلة 11 عاماً، على مدى 7 أيام في الأسبوع… كرمى لعين الحكيم الذي لطالما كان الرمز والقضية في نظره، فبات الزائر الدائم الى السجن في وزارة الدفاع بعدما كان الرفيق الوفي والجليس الدائم مذ التحق به آتياً من منطقة طرابلس الضنية الى ثكنة القطارة. المحامي ميشال الخوري من الذين ما فارقوا ستريدا ولا يوم ولا لحظة مهما كان الثمن، يروي لـ “المسيرة” كيف دخل نادي الأوفياء في “القوات” ويتذكر في سطور ما عاشه مع الحكيم في سنوات كأنها دهور.
بدأ مشواره مع المقاومة رئيساً لإقليم منطقة طرابلس الضنية في “الكتائب اللبنانية”. أقسم اليمين في الحزب مع بدايات الحرب في لبنان في قنات – بشري أي المنطقة التي تمترس فيها مسيحيو الشمال ضد التهجير، ثم التحق بثكنة القطارة، ومن يومها وهو مع الدكتور سمير جعجع رفيقًا وفيًا للقائد وللصديق.
مع إنقسام الحزب دخل الى هيئة الانقاذ الكتائبية، ومع المرحوم الشيخ فريد حبيب إختبر أولى تجارب التوقيف والملاحقة مع حملة القوى الأمنية آنذاك لإخراجهم من مراكزهم الحزبية فأوقف في إقليم الكتائب في جبيل مع رئيس الإقليم خليل باسيل ونقلتهم مخابرات الجيش اللبناني الى ثكنة الشرطة العسكرية في عمشيت في شاحنة ريو مع عدد من الرفاق. ومذاك بدأ عهد التوقيفات ومن ثم الفصل من الحزب، فوجد نفسه وباقي الشباب معه في إقليم طرابلس – الضنية رزمة واحدة تجمعهم رغبة واحدة وهي الالتحاق بقيادة “القوات” في المجلس الحربي والدكتور سمير جعجع تحديداً.
قبل ليلة من الحدث الجلل في 21 نيسان 1994 يروي المحامي ميشال الخوري “قصدت مقر الحكيم في غدراس ككل ليلة وجلسنا المجموعة نفسها حوله والكل يحاول أن يقنعه بالسفر وترك البلاد لشدّة الضغوط الأمنية والسياسية والحملات الاعلامية، الى أن صرنا فقط انا والشيخ فريد حبيب ودياب القزح وجوزف فضول وبهيج عبود فاخذنا الحكيم الى مكتبه، حيث راح كل منا يرجوه ويحاول اقناعه بالرحيل، إلا أنه قال بالحرف الواحد: “يا شباب إذا بتحبوني فعلا لا بقا تطرحولي موضوع الفلّة من البلد، أنا باقي هون..”. فقلت له “ماني قادر أعرف يا حكيم كرمال مين عم تعمل هيك؟”. أجابني “كنت أتوقع أسمع هالكلام من غيرك بس منك لأ، نسينا مار يوحنا مارون شو عمل يا ميشال؟. قلت له: “كتر خيرك يا حكيم مار يوحنا مارون كان خلفه مسيحيون مؤمنون لكن اليوم شعبنا عارف شو بدو؟”. فرد “هذا شعبنا لازم نشتغل لمصلحتو شو منروح منشتري غيرو؟! وبعدين عم تسألني كرمال مين؟ إذا مش كرمال حدا يا بو الميش كرمال الشهدا تحت التراب، كرمال اللي راحت إيدو وراحت إجرو.. وإذا مش كرمال هودي كلن كرمال اللي بعدن واقفين وانت واحد منن. هيدا سؤال ما بينسأل”. لحظتها التزمت الصمت وما عدت الى هذا الحديث ابداً.
الى ليلة الاعتقال، كنا جوزيف فضول وأنا، آخر المغادرين قبل عشر دقائق تقريباً من وصول الدورية لتأخذه. كنا في مكتبه. وهو يمشي في المكتب قال: “يي يي إنتو بعدكن هون قوموا قوموا فلوا”. وعندما رفضنا قال: “قوموا فلوا وأنا بدي ارتاح”. كان يعرف أنهم سيأتون لأخذه. قطعنا الحاجز الذي يطوّق غدراس فالتقينا بالقوة المتوجهة الى المقرّ. إنتظرنا نحو 5 دقائق وعدنا أدراجنا إلا أنهم منعونا من المرور عند الحاجز وأمطرونا إهانات وشتائم، فعرفنا ان كل شيء انتهى.
حاولنا في الصباح ان نعود الى غدراس وبعد محاولات عدة تركونا نمرّ، والد الحكيم ووالدته وجوزف فضول وانطوانيت جعجع وأنا. وبقي دخولنا لنتفقد ستريدا مرهونًا بمزاجيتهم عندما يسمحون لنا. الى ان انتقلت ستريدا الى بيت والدي الحكيم في النقاش وبعدها الى بيت يسوع الملك الذي طوّقوه بحواجز أمنية ونحن قرّرنا أن نجعله مزاراً يومياً لنا. كنا حتى لو سافرت ستريدا نبقي البيت مفتوحاً ونؤمن وجوداً متواصلاً فيه. “بيت الحكيم ما كان يتسكر”. صحيح كنا نتعرض للمضايقات والتفتيش، وكنت أرى بأم العين كيف يثقبون إطارات سيارتي ومع ذلك كنت أسكت لا خوفاً، إنما فقط كي لا يمنعوني من العودة ولم يكن يمكن أن أحتمل هكذا قرار”.
كل هذا الولاء كان بسبب قربك من الدكتور جعجع لأنك عرفته أم لإيمانك بخياراته السياسية والوطنية؟
تسأله لينتفض بهدوئه اللافت ويرد بحزم: “لم نكن نشعر أننا نفعل ذلك كرمى لعين سمير جعجع بل كنا معه نحاول أن نقاوم واقعنا من أجل كرامة الوطن والمسيحيين ومستقبل أولادنا. صحيح أنه كان مثالي الأعلى لكن أيًا منا لم يتمكن من منح البلد واحد على مليار مما أعطاه الحكيم. ليس تشبيها بالسيد المسيح لكن سيد الكون سلّم نفسه بريئا ليفتدي البشرية وعلى صورته ومثاله سمير جعجع سلّم نفسه بريئاً ليفتدي البلد ومسيحييه. لكن المؤسف أن شعبنا المسيحي لا يعرف كيف يقدّر الكبار”.
ماذا عن المحاكمات يحكى أنك لم تفارق الحكيم طيلة الـ 4114 يوماً من إعتقاله؟
في المحاكمات تابعت كل الجلسات وتوكلت عن الحكيم بصفتي محامياً أيضاً. وفي أول زيارة لي الى السجن كنت مع الزميلين جهاد عبدالله وسميح بشراوي، أذكر أنني كنت مكشراً وغاضباً لا بل مذبوحاً فنظر الي وقال “شو باك أبو الميش ليش زعلان؟”، فأجبت “ما شي حكيم”، فقال “إذا بدك تضل زعلان لا بقا تجي لعندي، عشو سئلان؟ الفارق زغير بيننا، تنينا بالسجن أنا بسجن صغير وإنتو بسجن أكبر شوي”.
مرة كنت أزوره مع المحامي ايلي لحود، أذكر حينها أنني كنت أخبره عن إقالة الوزير بشارة مرهج من الحكومة آنذاك، فرد عليّ “شو؟ بعدك انت وفريد وجوزف على رأيكن أنو أو فلّ أو فوت بالحكومة بدل القعدة هون”؟ فأجبته “أنت حكيم أخدت القرار وهلأ صار اللي صار”. فرد “ليك أبو الميش قلن للشباب انو أشرف بمليون مرّة قضّي عمري بالزنزانة على اني كون بهيك حكومات مذلولة”.

كنت تعد التقرير السياسي والاعلامي اليومي لنقله للحكيم فبت نافذته الى العالم وأخباره كيف كنت تفعل ذلك؟
كنت أقرأ الصحف يوميًا وأتابع الملفات الاقليمية والدولية وأسجّل الملاحظات والأحداث في رأسي لأنقلها له. لم يكن الأمر سهلًا علي أن أختصر له الصحف بكلمات لكن الموضوع كان يسعدني. كل الشباب كانوا يحسدونني لأنني أرى الحكيم كل إثنين وأربعاء وجمعة. لم يكونوا يعرفون أنني أذهب اليه سعيداً لرؤيته وأعود مذبوحاً لأنه بقي فوق. ذاك الشعور لم يكن يفارقني لكن لم يكن بإمكاني أن أفصح عنه وكنت أنقل المعنويات العالية والصورة التي كان يطبعنا بها الحكيم في كل زيارة، فاذا دخل الواحد منا لزيارته ضعيفًا يخرج منها قويًا.
من المرات القليلة التي رأيناه فيها طيلة تلك السنوات من دون الحاجز الزجاجي كانت قبل نحو السنتين من إطلاق سراحه عندما إستدعانا أحد الضباط وكان مدنياً ولا نعرفه، طلب إحضار الحكيم وعندما دخل قال لنا “او بتسكتوا “المسيرة” أو منعرف كيف ندفعكّن تمنها”. لم نكن مطلعين على ما ورد في “المسيرة” ويعترضون عليه. فرد عليه الأستاذ إيلي لحود “نحنا ما منمون عليها”. وكان ردّ الحكيم أيضًا “ليش عم تحطا عند المحامين؟”.
أيضاً طلبنا من مدعي عام التمييز عدنان عضوم إذنًا لثلاثة دكاترة في التاريخ والعلوم السياسية وعلم النفس على ما أعتقد كان طلبهم الحكيم لإنجاز أطروحة كان يريد أن يحضّرها، إلا أن المدعي العام بقي يرفض الطلب على رغم الزيارات المتكررة مع نقيب المحامين الأستاذ عصام كرم والسيدة ستريدا وعلى رغم تعهّدنا له أن لا تسرّب كلمة من هذه الاطروحة الى الرأي العام قبل أن يخرج الحكيم من السجن. خافوا من أي اثر له حتى ولو كان أكاديمياً فكرياً.
كنت من المقربين من الدكتور إدمون نعيم ماذا تذكر من رفقتك له طيلة جلسات المحاكمات؟
لا أنسى المرافعة الشفهية التي قدمها الحكيم في قضية الكنيسة حيث بقي أعضاء المجلس العدلي أكثر من ساعتين مذهولين به، فحجم الملف كان يتخطى 4 آلاف صفحة تمكن سمير جعجع من فكفكتها كلها، كل سطر وكل معلومة وفي أي صفحة وأي تاريخ وأمام أي محقق أو قاضي تحقيق… بعدما إنتهت مرافعته وقف الأستاذ إدمون نعيم (رحمه الله) وقال “لوين جايبنا؟ ليش انت عايزنا؟ جبتنا لهون بهدلتنا”! وكان لي الشرف بعد ذلك أن أكلّف بمتابعة قضية ترشيحه الى النيابة.
ربما أنت من أكثر من رأى الحكيم طيلة 11 سنة وباتت زيارته اليومية كالوظيفة، ماذا فعلت عندما خرج هل أحسست بالفراغ؟
تغير نمط حياتي ولا سيما في عملية قراءة الصحف. فقد مرّت مدة بعد خروج الحكيم ما عدت قادراً على قراءة الجريدة خصوصاً انني كنت مضطراً على القراءة والاستيعاب لإيصال أهم الأخبار له ومرات بالرموز والاشارات حتى.
11 سنة كنا خلالها 11 شخصاً نجتمع كل خميس مع ستريدا وقد نذرنا كل طاقاتنا ووقتنا لقضية الحكيم. لا تسأليني كيف كنت أعيش ومن أين؟ هيدا مش همّ ربنا بيعطي. حتى أن ستريدا قالت لي يومًا “روح على شغلك واهتم بعيلتك بقا” لكنني رفضت وقلت لها “إذا بتكلفي حدا محلي ما بعود إجي لهون”.
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.