
الآفاق المفتوحة أمام إيران كبيرة بعد الإتفاق النووي بينها وبين المجتمع الدولي. هذا الاتفاق منجز، ولن يعطله الضجيج المتنامي.
إيران الملالي لم تملك إلا خيار السير في ركب التسوية لإنقاذ نفسها. سيكون عليها تجرع المزيد من السم في كل تفصيل من تفاصيل الاتفاق وصولا إلى عودة الاندماج في العالم. ليست هذه مهمة سهلة. فهي بمثابة عملية إصلاح عميقة وتنقية أيديولوجية قد لا يحتملها نظام عاش واستمر بوصفه ثورة ترفض التحول إلى دولة.
إيران نموذج رابع. هي ليست ألمانيا النازية التي أودى بها جنون التفوق وجشع التوسع إلى الانهيار. تقل عن ألمانيا النازية جنونا وجشعا… وإمكانات. وهي ليست الاتحاد السوفيتي الذي ما إن حاول الإصلاح حتى انهار وتفكك. وهي ليست الصين التي أدارت واحدة من أعقد عمليات التحول في تاريخ الأنظمة حتى غدت عملاقا رأسماليا بقبعة شيوعية.
مصير إيران خليط من هذه المصائر والتغييرات المقررة فيه كثيرة. كيف ستدير انقساماتها الداخلية؟ بأي سرعة سينجح تيار التسوية في ترجمة تنازلاته السياسية الضخمة إلى نتائج ملموسة لدى المواطن الإيراني لا سيما في الاقتصاد والرفاه؟
الأسئلة كثيرة وخطيرة وتتصل بالأعصاب الرئيسية للنظام واستقراره، لكن الأفق مفتوح. وإمكانيات العبور بإيران إلى مستقبل أفضل لها ممكنة. فهي أساسية لروسيا مثلا للموازنة مع الصين. وترى فيها الهند مصدرا مهما للطاقة، والأهم، نقطة مفصلية على خارطة بنية المواصلات الحيوية في آسيا بما يساعدها على تهميش باكستان. وهي مهمة لبقية دول الفلك الآسيوي اقتصاديا وسياسيا.
أما العالم العربي والمشرق خاصة فهو كان حقل استثمار في قضاياه ومآسي شعوبه لتجميع الأوراق حتى يحين موعد التصريف. سيمر وقت قبل أن تنتبه أدوات إيران إلى حجم الكذبة الكبيرة حول المقاومة والتحرير والقضايا الكبرى التي رعتها إيران وروجت لها. سينتبه هؤلاء إلى حجم اللغو الذي رافق مآسيهم. يكفي أن نتطلع إلى بعض الصور التي تختصر هذه اللحظة التي تمر بها إيران وتمر بها الأدوات.
نزل شباب طهران إلى الشوارع احتفالا بتوقيع الاتفاق النووي مع الغرب و إنتصارات إيران. نزلوا للاحتفال باحتمالات المستقبل الذي ينتظرونه وكان نظام الملالي يمنعه عليهم بقوة الأيديولوجيا القهرية.
شوارعهم كانت شوارع فرح وأمل. في المقابل كانت شوارعنا ولا تزال شوارع لجنازات الواجب الجهادي. فتية لبنانيون، كالفتية الإيرانيين، لكن بفارق بسيط، جثثهم باردة وأمهاتهم متشحات بالسواد والحزن، مستقبلهم تحت التراب، نموت نموت وتنتصر إيران.
هذا هو الواقع الذي يختصر لحظة شيعة لبنان اليوم، مقابل شيعة إيران الذين يستعدون لمستقبل فيه احتمالات الازدهار والرفاه.
في سوريا المدمرة الواقع نفسه، دمرت إيران سوريا بالتحالف مع موسكو لأن ثمن التسليم في سوريا لم يكن مناسبا. في إيران شوارع للاحتفال وفي سوريا لا شوارع أصلا، حفرة كبيرة واحدة لبلاد سابقة.
حتى إعلاميو نظام الأسد لا حول ولا قوة لهم على الانتشاء “بالانتصار” النووي الإيراني، باتوا يدركون كيف استثمرت طهران في خراب بلادهم دون أن تقدم في الواقع ما يسند اللغو الأيديولوجي عن انتصار سوريا الحتمي.
الدعم المقدم ساعد الأسد على الاستمرار في الحرب دون أن يعينه على الانتصار أو على الخروج في توقيت يبقى فيه ما يمكن البناء عليه في سوريا. إيران تدير في سوريا معادلة صفرية. لن ننتصر ولكن سنمنعكم من الانتصار. والنتيجة عاصفة دمار أعادت سوريا عقودا إلى الوراء، كما كانت تهددها إسرائيل ولا تزل!!! إسرائيل تهدد وإيران تنفذ!!