
الدخول الى مخيمات النازحين السوريين في القاع (شمالي البقاع اللبناني) يتطلب إذناً من الجيش اللبناني. يستعاض عنه أحيانا بمرافقة بعض شبان البلدة ممن يعرفهم النازحون ويرتاحون الى وجودهم لكثرة ترددهم اليهم حاملين اليهم مساعدات او متفقدين لأوضاعهم واحوالهم.
سنة تلو أخرى تتكاثر الخيم المنصوبة على طول الطريق الممتد من بلدة القاع السكنية الى منطقتها الزراعية التي يطلق عليها الأهالي اسم “المشاريع” نسبة للمشاريع الزراعية التي أنشأوها بعد قطع مياه نبع “اللبوة” عنهم وتصحر بساتينهم داخل البلدة.
آخر احصاء رسمي يشير الى وجود 33 الف نازح سوري في بلدة القاع التي لا يتجاوز عدد أبنائها الـ 13 ألفا. يقيم 3 آلاف منهم في البلدة بصورة مستمرة فيما القسم الاكبر يقطنون في بيروت ويترددون الى قريتهم في المناسبات والعطل. قبل اندلاع الحرب السورية كانت القاع تستقطب نحو عشرة آلاف عامل سوري للعمل في مواسمها الزراعية. هؤلاء العمال أتوا بعائلاتهم وتسجلوا كنازحين للحصول على مساعدات من الامم المتحدة.
قبل نحو سنة اعتمدت المنظمة الدولية تخفيضاً تدريجياً للمساعدات الغذائية حتى وصلت في الأيام الاخيرة الى قيمة 13 دولار للفرد الواحد شهريا. “لولا توفر عمل لنا في مشاريع القاع الزراعية لمتنا جوعا”، يقول لنا سوري يقيم مع أفراد عائلته في احدى الخيم.
منذ اندلاع المعارك في سوريا، كان لبلدة القاع الحصة الأكبر من توافد النازحين اليها. موقعها الجغرافي المتاخم للحدود سهّل على السوريين من أهل القصير وحمص العبور اليها بعد تهجيرهم منهما. لكن النازحين هنا لا يقتصرون على أهالي المدن والقرى السورية الحدودية. التقينا عائلات من حلب ودير الزور ومن حماه. كما ان بعض العائلات السورية تهجرت مرة أخرى من الداخل اللبناني الى القاع على غرار ما حصل مع عائلات انتقلت من عرسال عقب معركة القلمون قبل نحو سنة وبعد تضييق الخناق عليهم داخل عرسال.
يرافقنا في رحلة تفقد أحوال النازحين السوريين في القاع ابن البلدة “حنا”. يستقبله السوريون بحرارة لافتة. يعرفونه بالاسم. سبب هذه المودة الظاهرة ان «حنا» معتاد على زياراتهم بصحبة موظفي منظمات اغاثية وعناصر جمعية “كاريتاس” و”الصليب الاحمر”. يخبرنا أنه في كل مرة يأتي اليهم مع وفد صحافي يتهافت عليه النازحون آملين بمساعدات سيحملها اليهم.
قضية الحماية
مناطق البقاع الشمالي المسيحية مثل القاع ورأس بعلبك وجديدة – الفاكهة تقع في دائرة نفوذ “حزب الله”. هذه قرى عانت من وجود النظام السوري طيلة سني الحرب اللبنانية، ومهددة اليوم من وجود فصائل سورية معارضة في جرودها. فهل بات “حزب الله” هو من يحميها؟
يتهيب القاعيون من قضية الحماية. فحين دخل الجيش العربي السوري الشقيق البلدة متذرعاً بحمايتها، نفذ بحق ابنائها مجزرة مروعة. في أواخر حزيران الماضي حلت الذكرى السابعة والثلاثين على المجزرة، التي أودت بـ26 شابا من أبناء القاع ورأس بعلبك وجديدة الفاكهة. “وصلت الينا المجازر قبل ظهور تنظيم “داعش” بثلاثين عاماً، وبالتالي لن ننخرط في عملية دفاع عن نظام قاتل ومجرم. نحن نثق بالجيش اللبناني وحده، ونحن وراءه في معركة الدفاع عن كل شبر من أرضنا”، يقول مسؤول “القوات اللبنانية” في القاع المحامي بشير مطر.
خطر النازحين
ليست التنظيمات الاصولية القابعة في جرد القاع في سلسلة جبل لبنان الشرقية المتصلة بجرود عرسال، على طول 30 كلم، هي وحدها ما يخيف القاعيين. تقلقهم أعداد النازحين الضخمة على أراضيهم. الخطر الأبعد والأعمق يتمثل باستحالة عودة هؤلاء النازحين إلى ديارهم، هذا عبء كبير في قرية عانت منذ سنوات طويلة من مآسي التهجير والمجازر. تُفاق.م ظروف البؤس التي ينوء تحتها النازحون من قلق الأهالي. فبعد تخفيض مساعدات الامم المتحدة، واعتماد أغلب هؤلاء على أعمال الزراعة في مشاريع القاع الزراعية ــ المزدهرة في مواسم معينة والشحيحة في أخرى ــ يخشى الأهالي من تأثير الضيق المادي والفقر والمعاناة على النازحين، مما قد يضطرهم إلى ارتكاب الجرائم، ويكون تربة خصبة لبذور التطرف.
لا يخفي الأهالي تداعيات انعكاس أزمة النازحين عليهم في يومياتهم. يشكون من تعديات على الكهرباء والمياه والأراضي، بما بات بشكل عبئاً كبيراً على الاهالي. ويطالبون بتعزيز مركز الدفاع المدني المعد لمواجهة أخطار آلاف الخيم المعرضة للحرائق والسيول.
استحالة العودة
نتوجه الى مشروع مسعود مطر، أحد أبناء البلدة الذي لم يغادرها يوماً. في هذا المشروع الذي يبعد امتارا قليلة عن الحدود السورية، يقيم 81 سوريا، رجالا ونساء وأطفالا. من داخل مشروعه يشير الينا نحو التلال المواجهة، حيث يوجد مركز للجيش اللبناني ونقاط لـ”حزب الله”.
تتناثر الخيم في مشروع مسعود. متباعدة قليلاً. في احدى الخيم الفردية تقيم عائلة حلبية مؤلفة من رجل وزوجته مع أبنائهم الستة. يقولون ان رب عملهم هو بمنزلة أخ لهم. غير بعيد عنها خيمة أخرى لعائلة من حمص، من حي كرم الزيتون، الذي نفذ فيه النظام السوري مجازر كبرى. تتحسر الوالدة المسنة على ما آلت اليه امور عائلتها، التي فقدت 40 من اقاربها في المجزرة. يقول ابنها (26 عاما): “كنا مكيفين بسوريا. ضاع مستقبلنا ولم نعد نحلم بالعودة الى حمص”.
في ظهيرة يوم حار ومشمس، يختلي القاعيون في منازلهم. الى درجة انك لا تكاد تلمح طيفا في الطريق. عدد كبير من شبان القاع منتسبون الى المؤسسة العسكرية، وهناك موظفون ومزارعون. تتعدد الانتماءات السياسية بين اهالي البلدة المسيحيين بمعظمهم. تتقاسم “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني” الحر النسبة الاكبر منهم، وتوجد أعداد قليلة من القوميين السوريين وبعض البعثيين. لكن تنوع انتماءاتهم لا يمنع توحدهم في الاخطار على قاعدة “المصيبة تجمع”، بعدما باتت التنظيمات السورية المتطرفة على مرمى حجر من البلدة، “الكل يبدي استعداده للحضور الى القاع والدفاع عنها متى استشعرنا اي خطر يتهددها”، عبارة تكاد تسمعها على كل لسان.
ثقة بدور الجيش
الانقسام السياسي بين اهالي البلدة يجعلهم منقسمين في النظرة الى الخطر الداهم. مناصرو “القوات اللبنانية” في القاع يعتبرون ان ثمة تهويلاً مقصوداً يمارس على اهالي القرى المسيحة الحدودية الواقعة في منطقة نفوذ “حزب الله”. “يتوسلون تعظيم خطر الفصائل السورية المعارضة لتكبير دور “حزب الله” واعطائه شرعية في حمايتنا. فكل ما يشاع عن محاولات تسلل الى جرود القاع غير دقيق. قد تكون هذه الفصائل تحاول شق طريق الى الداخل السوري بعد محاصرتها في القلمون، لكن الجيش اللبناني المعزز بعديد وعتاد غير مسبوق هو في خطوط المواجهة الاولى وهو من يصد هذه الهجمات في ما لو حصلت”، يقول المسؤول القواتي.
ويطالب بشير مطر الدولة بتنظيم اوضاع النازحين وتوزيعهم على بقية المناطق غير القاع، والاهتمام بشؤون أهالي القاع الاجتماعية والإنسانية والمعيشية ليستطيعوا الصمود ووقف التعديات على أراضيهم “من قبل السوريين وأبناء عرسال والهرمل كي لا يفرض عليهم أمر واقع يؤدي الى تهجيرهم”. ويطالب الدول العربية والمعنية بشؤون النازحين بشراء محاصيل القاعيين لتوزيعها على النازحين وتمويل مشاريع إنمائية في البلدة التي تحتضنهم نيابة عن كل العرب خدمة لهم وللنازحين.
تضامن الأهالي
ثلاثة عوامل أعادت الاطمئنان الى اهالي القاع وفق مختار القرية ومسؤول “التيار العوني” فيها منصور سعد. أولاً مجموعات الحماية الذاتية “الصقور” التي شكلها أبناء الضيعة للسهر على أمنها. وغالبية عناصرها عسكريون متقاعدون وسلاحهم فردي. ثانياً: تضامن كل القاعيين بمختلف انتماءاتهم لحماية قريتهم «لحظة دخول القاعي الى قريته يصبح قاعيا فحسب لا “قوات” ولا “تيار””، يضيف سعد.
وثالثاً، وهو العامل الأهم: تعزيز مراكز الجيش في القرية. يوضح مختار البلدة ان الاهالي مطمئنون جدّا لقدرات الجيش اللبناني في صد أي محاولة تسلل، لكنه يلفت ان للجيش مراكز كثيرة من الجهة الجنوبية للجرد، اي باتجاه بلدة رأس بعلبك، بينما في المنطقة الشمالية اي في اتجاه المناطق السورية هناك مركز واحد في تلة “نعمات”. ويضيف “طالبنا كثيرا قيادة الجيش بزيادة تواجده في هذه المنطقة المقابلة للمشاريع، لكننا لم نتلق جوابا حتى الآن”. لا يوفت سعد التذكير بدور المقاومة أيضا في حماية المنطقة واستقرارها.
مقومات الصمود
الهم الأمني الذي تعيشه البلدات المسيحية الحدودية أضيف اليه الهم الاقتصادي. قبل اندلاع الازمة السورية كانت هذه القرى بعيدة عن مرمى الدولة اللبنانية وتفتقر الى الحد الادنى من مقومات الصمود اجتماعيا واقتصاديا. فكيف بالحري اليوم. فبلدة القاع على سبيل المثال كانت تعتمد بشكل كبير على انتاجها الزراعي وعلى موسم الصيد. بعد اقفال الطريق الدولي الى حمص (القاع هي آخر نقطة لبنانية على هذه الطريق) بات الوضع اكثر صعوبة، بحيث توقف تصدير الانتاج الزراعي ـــ وكان يعد بآلاف الاطنان ـــ وبات السوق اللبناني فقط هو المتاح امام المزارعين.
هذا لا يعني مطلقا ان مشكلة التصدير قد حلت جزئيا. فالتاجر الذي كان يرسل شاحناته لنقل الانتاج لن يجازف بارسالها الى منطقة حدودية غير آمنة تشهد بين الفينة والاخرى محاولات تسلل وقصف. علما بان القاع تحوي اكثر من 150 مشروعا زراعيا، وهي مصدر أساسي لعيشها.