هذه مخاطر النفايات على صحة الإنسان (سينتيا عواد)

لا تزال النفايات حتى هذه اللحظة تشغل اللبنانيين، وكأنّ المصائب السياسية والإقتصادية والمعيشيّة والأمنية لا تكفيهم. ففي عزّ السياحة والمهرجانات، أقامت النفايات «إحتفالاً» على طريقتها الخاصّة وأثبتت وجودها في كلّ المناطق، مُتصدّرة صفحات مواقع التواصل الإجتماعي التي انهالت بالصوَر والتعليقات والنِكات. لكن ما يجهله الكثيرون أنّ هذه الظاهرة التي قد تبدو عاديّة في بلدٍ اعتاد رؤية «العجائب»، تُعرّض صحّتهم لمخاطر وخيمة وتهدّد بظهور أمراض تمّ تخطّيها منذ زمن!
«إنّ الروائح الكريهة الناتجة عن تكدّس النفايات هي تلوّث بحدّ ذاته، ولكنّها ليست المسؤولة المباشرة عن الأضرار الصحّية، إنما ذلك يعود تحديداً إلى المواد الموجودة فيها التي تخترق الهواء المُكوَّن بشكل أساس من الأوكسيجين، وثاني أوكسيد الكربون، والنيتروجين وبخار الماء بنسَب معيّنة وثابتة تضمن نقاوته»، حسبما أفادت إختصاصية الأمراض الصدرية ومشكلات النوم والإدمان على التدخين الدكتورة جوسلين ساسين فاخوري، مُشيرةً إلى أنه «كلّما كان حجم الجُسَيمات الصادرة عن التلوّث صغيراً، تحلّت بقدرة أكبر على اختراق الرئة والتسبّب بمشكلات تنفّسية أكبر».
وأوضحت أنّ الإنعكاسات السلبيّة لتلوّث الهواء على الصحّة تشمل خصوصاً «التهاب الرئة المتكرّر، وزيادة خطر الإصابة بالحساسيّة والربو والتعرّض لأمراض سرطانية. وصحيحٌ أنّ التلوّث لا يميّز بين إنسان وآخر، غير أنّ الأشخاص الأكثر تضرّراً منه هم الأطفال والأجنّة، حيث تبيّن أنّ الحوامل اللواتي يتعرّضن للتلوّث يرفعن احتمال إصابة أطفالهنّ بمشكلات صحّية، مثل الحساسيّة والربو وخلل في الكروموزومات وبلوغ وزن أدنى من المعدّل الطبيعي عند الولادة.
إضافةً إلى الأشخاص الذين يعانون أساساً الربو والإنسداد الرئوي المُزمن والحساسيّة، لأنّ المواد التي تُستنشق نتيجة حرق النفايات تزيد نسبة التحسّس وتفاقم أزمات الربو والاتهابات الرئوية».

المعادن الثقيلة
وأضافت د. فاخوري أنّ «هذه الظاهرة لم تعد موجودة في العالم منذ السبعينات، وحتّى في البلدان التي تسمح بها، توجد تقنيات حديثة تنقّي الدخان من المواد المُضرّة.
ولكن على رغم هذا التطوّر، فإنه لا يمكن القضاء كليّاً على الجُسيمات الصغيرة جدّاً، الأمر الذي تبيّن أنه يرفع خطر الإصابة بالأمراض بنسبة 30 في المئة، فكيف إذاً في لبنان حيث لا يوجد أجهزة تنقية؟ ولا تتوقّف المشكلة فقط عند هذه الجُسيمات المتعدّدة الأحجام، إذ توجد أيضاً المعادن الثقيلة مثل الرصاص والنيكل ومواد أخرى شبيهة بمُنبعثات دخان السجائر التي تسبّب أمراضاً سرطانية.
ويجب معرفة أنّ حرق النفايات عشوائيّاً، خصوصاً إذا كانت تحتوي البلاستيك، يحفّز نموّ المشكلات الصحّية، خصوصاً السرطانية التي تطاول مختلف أعضاء الجسم وليس فقط الرئتين. ناهيك عن ظهور مادة الزئبق التي تبيّن أنها تزيد نسب حدوث الألزهايمر وتؤثّر سلباً في النموّ العقلي وتعزّز خطر إصابة الأطفال بالتوحّد».
واعتبرت د. فاخوري أنّ «الوقاية الأساسية تقع أولاً على عاتق الدولة، من خلال اتّخاذ الإجراءات اللازمة لوقف حرق النفايات، وبدء تطبيق إعادة تدوير المواد الجيّدة منها (Recycling) مثل مختلف دول العالم.
وفي حال العجز عن ذلك حاليّاً، فإنّ أقلّ ما يمكن فعله هو حرق النفايات في أماكن بعيدة من المناطق السكنيّة، تماماً كما هو الحال في أوروبا، حرصاً على عدم تعريض المواطنين للمواد السامّة والخطرة التي تنتجها المصانع»، داعيةً من جهة أخرى «الناس إلى التحلّي بالوعي الكافي وإدراك مخاطر حرق النفايات والأضرار التي تلحقها بصحّتهم، وبالتالي تفادي القيام بذلك على المستوى الفردي».

الطُفيليات الناقلة للأمراض
من جهته، أكّد الإختصاصي في الطبّ الداخلي والأمراض الجرثوميّة والمُعدية، دكتور نقولا حدّاد، لـ»الجمهورية» أنّ «العواقب التي يمكن أن تحصل بسبب تجمّع النفايات هي كثيرة وينتج عنها تراكم الطُفيليات الناقلة للأمراض التي تُعتبر مرفوضة كُليّاً في أيّ مدينة في العالم».
ومن أبرز المخاطر المُحتملة التي يجب التفكير بها، بحسب د. حدّاد، «تجمُّع البعوض (Mosquitoes) المعروف بأنه ينقل الأمراض، كفيروس غرب النيل المعروف بالـ»West Nile Virus» الموجود في الشرق الأوسط، والذي يسبّب أعراضاً كثيرة قد تصل إلى حدّ التهاب العمود الفقري».
وتابع شارحاً: «لا أريد نشر الذعر بين المواطنين، لكن ما هو معلوم أنّ البعوض ينقل الملاريا في البلدان الأفريقية، وفي حال قدوم شخص مُصاب بالملاريا إلى لبنان وتعرّضه للدغ البعوض المُتكاثر، عندها من المُحتمل أن ينقل العدوى إلى شخص آخر، ولكن حتى الآن فإنّ هذا الخطر يبقى نظرياً».
الأمراض المُسبِّبة للإسهال
كذلك سلّط د. حدّاد الضوء على الذباب قائلاً: «صحيحٌ أنّ هذا النوع من الحشرات لا ينقل المرض بحدّ ذاته، ولكنه يدلّ على القذارة التي لا يسمح لها أحد بدخول المنزل أو الإحتكاك بالطعام. فضلاً عن أنّ الذباب قد ينتج ديداناً صغيرة تنقل أمراضاً مُحتملة. نخشى أيضاً من تكاثر الفئران والجرذان التي ارتبطت منذ القِدم بنقل مرض الطاعون المتعدّد الأشكال، والذي يمكن أن يؤذي بطريقة قويّة وخطيرة جداً. إضافةً إلى احتمال تكاثر القطط والكلاب الشاردة وزيادة خطر انتشار مرض الكَلَب بين الحيوانات، وبالتالي انتقاله إلى الإنسان».
ومن جهة أخرى، لفت إلى «أنّ تجمّع النفايات قد يؤدّي الى انتشار مرض الـHepatitis A، الذي يمكن أن ينتقل عبر الفم في حال تلوّث الأكل، وأيضاً إلى الفيروسات التنفّسية مثل الـAdenovirus والـRhinovirus، وشدّد على أنه «لا يمكن تجاهل العوامل التي تسبّب أمراضاً مرتبطة بالإسهال، كالسالمونيلا والشيغيلا، وحتى الكوليرا وفيروس نورو، الذي يزداد في مثل هذه الحالات ويمكن أن ينتقل من الأوساخ إلى الأكل بحسب طريقة نقل المواد الغذائية المُعتمَد عليها، سواء عن طريق الشاحنات أو اليدَين. إنّ الأمراض المُسبِّبة للإسهال كثيرة وخطيرة ويمكن أن تُطاول أيّ شخص، خصوصاً الأولاد والأطفال حديثي الولادة وكذلك كبار السنّ».

نفايات المستشفيات

وفي ما يخصّ نفايات المستشفيات التي تشمل الحقَن وأوساخ الإنسان، كالبراز والبول والدم والبلغم، علّق د. حدّاد على أنّ «هذه الإفرازات قد تكون مُعدية إذا وصلت إلى المواطنين، وهذا أمر أتمنّى ألّا يحصل، بالتأكيد سيتعرّضون لبكتيريا وفيروسات تكون مقاومة أكثر من غيرها مثل الـClostridium Difficile.

لا أريد إثارة خوف الناس، ولكن نظريّاً، إنّ الخطر موجود بسبب توافر كائنات مقاومة في المستشفيات، خصوصاً في لبنان حيث يتمّ تعاطي المُضادّات الحيوية بطريقة عشوائية. إضافةً إلى الأدوات الحادّة التي قد تجرح وتنقل التهاب الكبد B وC أو فيروس نقص المناعة البشرية (HIV)».

وللوقاية من هذه المخاطر المُحتملة، أوصى د. حدّاد المواطنين بـ»عدم الإحتكاك بالنفايات، وغلق نوافذ السيارات لتفادي استنشاق الراوئح الكريهة، ووضع أقنعة لتغطية الأنف إذا بلغت الرائحة ذروتها، والإنتباه إلى الأولاد الذين يلعبون على الطريق وتحذيرهم من عدم لمس أيّ شيء، والأهمّ استشارة الطبيب سريعاً في حال التعرّض للنفايات وملاحظة أيّ أعراض غير اعتياديّة».

المصدر:
الجمهورية

خبر عاجل