
كتب أمجد إسكندر في “المسيرة” – العدد 1518:
في لبنان، يأخذ رجال الدين المسلمون رواتب من الدولة اللبنانية. ويقال إن الانتداب الفرنسي حين عرض على البطريرك الحويك أن يقبض رجال الدين المسيحيون رواتب أسوة بغيرهم، اعترض وانتفض. رَفْضُ الحويك لم يكن سببه عدم إرهاق الخزينة، بل الخوف من أن يصبح للدولة “مَونَة” ما على رجال الكنيسة. على طريقة “من يُعطِ يأمر”.
(qui donne ordonne). صانع “دولة لبنان الكبير” لا يُحبذ أن يكون رجال كنيسته “موظفين في دولة لبنان الكبير”! جميل أن يختلط إعتبار الكبرياء مع الحرص… مع الحذر!
في مقالة الزميل جهاد الزين في “نهار” الثلثاء المنصرم، فهمنا أن الكنيسة اليونانية، صانعة “دولة اليونان الكبير”، فرضت على الدولة التي صنعتها عام 1830، أن تدفع رواتب وظيفية وتقاعدية لعشرات الآلاف من رجال الكنيسة. وفهمنا أن الاتحاد الاوروبي غير معجب بمعادلة: الدولة تدفع لرجال الكنيسة، والكنيسة لا تدفع الضرائب عن أملاكها الشاسعة. هذا التهرب الضرائبي ساهم في غضب مستشارة المانيا انجيلا ميركل، من دولة في منطقة “اليورو”، لم تفصل بعد بين الدِين والدولة! والأنكى، أن الحزب الحاكم في اليونان، حزب ملحد، لا يؤمن بالدِين… ولا بالدَين! نوع جديد من الفلسفة، يأتينا من بلاد الإغريق، أنه الإلحاد الإقتصادي!
في عودة الى لبناننا، تشكو أصوات مسيحية من أن المسيحيين يدفعون الضرائب أكثر من غيرهم، ونصيبهم من الخزينة أقل من غيرهم. وهذا الإجحاف يزيد من مطالبة المسيحيين باللامركزية الإدارية… والمالية. هذه اللامركزية لم تعد تواجه برفض إسلامي، لسببين. السبب الأساس أنها من صلب “إتفاق الطائف”. والسبب المُستجد هو: النفايات! في الأيام المنصرمة، كثرت عبارة اللامركزية على لسان ابن بيروت السُني في الصميم، الوزير محمد المشنوق، في معرض مطالبته بتوزيع نفايات العاصمة على المطامر المجاورة “لبيروت الكبرى”. فالذين يعملون في بيروت ويرمون النفايات في مستوعبات “سوكلين”، ليسوا كلهم من بيروت أو حتى من سكانها. بالتالي، “اللامركزية النفايتية” أمر لا مفر منه. لبنانيون مسيحيون يريدون اللامركزية ليحافظوا على ما يجنوه. ولبنانيون مسلمون يريدونها ليتخلصوا مما يرموه.
الكنيسة اليونانية التي تعاني الإحراج، وهي الغنية في يونان يعاني الإفلاس، عرضت الشراكة مع الدولة في استثمار أملاكها الشاسعة، لعل ذلك يخفف نقمة الاتحاد الأوروبي. إخواننا الروم في اليونان، يبدو أنهم اقتنعوا بشعار بطريركنا الماروني: “شَرِكَة ومحبة”.
كم يشعر بالاسى البطريرك الحويك من الحال التي وصلنا اليها في “لبنانه الكبير”!
فكل مَنْ أُعطيَ مجد لبنان، بعد الحويك، يشعر بأن قليلاً من “لامركزية المجد” يُفرِحُ قلبَ لبنان!