#adsense

الإستعصاء اللبناني

حجم الخط

تكفي السنوات العشر الأخيرة، بما فيها من متغيّرات وانقلابات في الشرق الأوسط والعالم مع تأثيراتها داخل لبنان، لاستنتاج واقع سياسي بات من الثوابت: هناك حال استعصاء لبناني مزدوج، على التغيير والحلّ في آن.

فلا التغيير، بمعنى قلب الطاولة أو الانقلاب، مباح. ولا الحلّ الثابت والمستقرّ متاح، خارج صيغته وميثاقه المتجدّدَين في اتفاق الطائف. ولا غرابة في أن يكون بصيغته وميثاقه نموذجاً عربيّاً صالحاً.

وقد أثبتت لعبة التوازنات الإقليميّة، بعد تطوّرات سوريّا والعراق واليمن وسواها، أنّ منطق الغلبة في لبنان وحسم انتصار فريق أو محور، أمران محظوران، وكأنّما لبنان يسبح في فضاء آخر غير فضائه، أو كأنّ هناك تدبيراً ما في مكان ما لتحييده عن دفع أثمان الصراعات الكبرى، بعدما سلّف هذه الصراعات منفرداً الكثير من دمه واستقراره ووحدته وازدهاره وعافيته على مدى 40 سنة ( 1975 – 2015 )!

أطراف عدّة حاولت منذ اتفاق الطائف، وتحديداً بعد ال2005، الانقلاب على الوضع اللبناني وكسر توازناته التاريخيّة لتغليب فريق أو محور أو حزب أو مذهب، عبر عمليّات جراحيّة سياسيّة – أمنيّة – عسكريّة، فكان مصيرها الفشل.

أبرز وأخطر هذه المحاولات الانقلابيّة كانت ثلاثاً، على خلفيّة استثمار “حزب الله” لما سمّاه “انتصاره الالهي” في حرب تمّوز 2006: حركة الدواليب في مطلع ال 2007 وتطويق السراي الحكومي باعتصام مسلّح، غزوة بيروت والجبل في أيّار 2008، وإطاحة حكومة سعد الحريري بحركة “القمصان السود” في مطلع ال 2011.

ثمّ حصلت محاولات أُخرى، على خلفيّة التطرّف الإسلامي، كردّ فعل على انفلات “حزب الله”، فكانت أحداث طرابلس وعنجر وعبرا وعرسال وسواها. واستطاع الجيش اللبناني والأجهزة الأمنيّة تطويقها وضبطها بمساندة حاسمة من الاعتدال السنّي المتمثّل ب”تيّار المستقبل”، ولو بأثمان غير بسيطة سياسيّاً وشعبيّاً، وحتّى ماليّاً.

والآن، تحصل محاولة أُخرى وربّما أخيرة، لنسف التوازن اللبناني عبر الانقلاب على النظام وصيغة العيش المشترك المكرّسة في وثيقة الطائف، تحت عناوين خادعة مثل “حقوق المسيحيّين” والشراكة، والوكالة عن رئيس الجمهوريّة، وآليّة عمل مجلس الوزراء، والحقّ في التعيينات، وشعارت رديفة كاستطلاع ترتيب الزعامات، والانتخابات النيابيّة قبل الرئاسيّة، واللجوء إلى الفيدراليّة..

لكنّ هذه المحاولة الانقلابيّة، الأخيرة على الأرجح، تترنّح بدورها، بسبب المعادلة البسيطة الآتية:

“حزب الله” العائد “منتصراً” من حرب ال2006، لم يستطع استثمار “انتصاره الإلهي” سياسيّاً وأمنيّاً، إلاّ بشكل موقّت وعابر ارتدّ لاحقاً عبئاً عليه. فكيف له أن يستثمر في ورطته السوريّة، حيث بات مؤكّداً أنّ لا انتصار في أُفقه ولا مكاسب، بل سجلّ خسائر متفاقمة قد تبلغ حدّ الهزيمة.

وفي هذا السياق، يتّضح أنّ الرهان على “انتصار” إيران وإطلاق يدها بعد الاتفاق النووي، مجرّد حلم يقظة ووهم سياسي لا سند له. والنذائر بدأت من اليمن عبر عدن، ويأتي دخول تركيّا الحرب ضدّ “داعش”  كخطوة تمهيديّة لقرار دولي يقود الوضع السوري نحو المعارضة المزدوجة للنظام وتنظيم “الدولة الإسلاميّة”، وليس لتثبيت موقع بشّار الأسد كما يتمنّى بعض توابعه.

ولم يكن التحرّك السعودي الأخير إلاّ لتحصين القرار العربي بالتصدّي للمشروع الإيراني، ليس فقط على مستوى اليمن والخليج، بل امتداداً إلى لبنان وسوريّا والعراق. ولإثبات أنّ ما تعتبره طهران جواز عبور لها إلى مزيد من النفوذ، سيتحوّل إلى ورقة محروقة بفعل المواجهة الحاسمة.

لذلك، سيستعصي لبنان، مرّة أُخرى، وأخيرة، على الانقلاب الجديد. وستبقى توازناته مصانة تحت رعاية دستوره ووثيقة عيشه المشترك، بدون الخبط الأعمى في مجاهل إعادة التأسيس ونسف النظام في غياب البدائل. وقد باتت القوى السياسيّة المواجهة للانقلاب راجحة بعد تمايز أفرقاء كانوا في مقلب الانقلابات السابقة.

صحيح أنّ شلّ الحكومة تحت ضغط الشعارات المتوالدة والعشوائيّة، يفتح لبنان على الفراغ الكامل، ولكنّ هذا الفراغ الذي يتوهّم صانعوه أنّهم سيملأونه بما يناسب مصالحهم، سيكون أشدّ ضرراً بهم، حين يفاجئهم استعصاء لبنان على التحويل والتسييل.

فلا إيران ومشروعها المتهاوي، ولا بشّار الأسد الباحث عن منفى، ولا “حزب الله” العائد بجثثه بدلاً من مكاسبه، ولا ميشال عون الحالم مجدّداً ب”ثلثائه” الذي لن يأتي، سيستطيعون تغيير جوهر لبنان ومعناه ووجهه. وقد جرّبوا انقلاباتهم السابقة وسقطوا، ولن تختلف محاولتهم الأخيرة عن سابقاتها.

لبنان باقٍ “في ذاته”، في توازن مكوّناته، في عيشه التاريخي المشترك، في انتمائه إلى بيئته العربيّة المشرقيّة الإسلاميّة. لم يكن يوماً إيرانيّاً فارسيّاً أعجميّاً.. ولن يكون.

وهذا هو سرّ استعصائه. وكلّ ما عدا ذلك لغط ولغو.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل