لبنان يُواجه تحدياتٍ على مختلف المستويات تجعله عاجزاً عن مواجهة التطرّف والإرهاب التكفيري. مُكوّنات الخلطة الداخلية التي يأتي في طليعتها وجودُ نظام سياسي فاعل غير متوافرة حالياً. الجيش مُنفرداً لا يمكنه خوض المعركة من دون دعم دَولي، لذا سيكون أوّل طلب يحمله عضو لجنة الشؤون الخارجية النائب الألماني رودريك كيسوتر إلى البوندستاغ (البرلمان) ضرورة دعم القوات المسلَّحة اللبنانية لمواجهة خطر “داعش” وأخواتها، على غرار مساعدة برلين لقوّات البشمرغة الكردية في العراق.
لا يرى النائب الألماني إمكانية مواجهة لبنان لخطر الإرهاب في ظلّ “نظامٍ سياسي يواجه تحدياتٍ عدّة، ومع وجودِ مليون ونصف لاجئ سوري على أراضيه”، ووسط تهديدٍ قوي يمثّله تنظيمُ “داعش” وقدرته على شنّ “هجمات منسَّقة مباغتة وتفجيراتٍ إرهابية في وقت واحد”.
ويقول كيسوتر في مقابلة خاصة مع “الجمهورية” التي التقته على هامش مشاركته في ندوة تحت عنوان “مكافحة التطرّف ومواجهة عدم الإستقرار في الشرق الأوسط”، التي نظّمها جهازُ العلاقات الخارجية في حزب “القوات اللبنانية” في معراب: “لا إمكانية لمواجهة الإرهاب في لبنان، البلد الذي يحتاج دعماً أقوى من الأسرة الدولية، ودعم اللاجئين، وتحقيق التوازن بين مكوّنات المجتمع اللبناني من السنّة والشيعة والمسيحيين”.
ويرى عضو حزب “الإتحاد الديموقراطي المسيحي الألماني” أنّ وجودَ اللاجئين السوريين و”حزب الله” هما أكبر تحدِّيَين للبنان”، والمطلوب البدء في “تعديل النظام السياسي، إذ يحتاج اللبنانيون إلى برلمان فاعل، وحكومة ذات سلطة وإنتاجية، وهذا يقتضي التنسيق بين السياسيين بشكلٍ أفضل لما فيه مصلحة لبنان”.
مكوّنات تبقى ناقصة من دون قيام المجتمع المدني ووسائل الإعلام والأسرة الدولية بمسؤوليتهم بحضّ السياسيين على القيام بواجبهم، هذا من دون إغفال ضرورة تطوير وتطوير البنية التحتية.
يتابع كيسوتر حديثه من دون أن يُخفيَ إعجابَه بطبيعة لبنان البلد “الجميل جداً” والذي يزوره للمرة الأولى، والمطبخ اللبناني الشهي. وعلى رغم حرصِ بلاده على وضع المسيحيين في لبنان، إلاّ أنّه يعتبر أنّه لا يمكن دعم المسيحيين منفردين.
ويقول: “مقاربتُنا يجب أن تتركّز على تعزيز التسامح والحوُكمة الجيدة وحماية الأقليات ومحاربة الفساد، وإذا ركّزنا فقط على حماية المسيحيين لن ننجح، وعلينا تشجيعهم على انتخابِ رئيس”. موضوعات ناقشها مع الرئيس السابق أمين الجميّل ورئيس حزب “القوات” الدكتور سمير جعجع. ويقول: “هما شخصان ذكيان وآمل أن نقنعهما بتشكيل تحالف للقوى التي لديها إرادة لحماية لبنان”.
وعلى رغم إشادته بالمستوى التنظيمي لحزب “القوات اللبنانية” الشريك في اتحاد الأحزاب الديموقراطية في ألمانيا، إلّا أنّه يعتبر الأحزاب اللبنانية في غالبيتها ينقصها الكثير لتطوير عملها لأنّها ملكُ الرؤساء الذين قاموا بتأسيسها”. ويقول: “في بلادنا العضوية والديموقراطية تتقدّمان على مَن يترأس الحزب”.
كيف يمكن لألمانيا
أن تساعد لبنان؟ يتواصل الحوار، والسؤال الذي يطرح نفسه، كيف يمكن لألمانيا أن تساعد لبنان في محنته؟
في الوقت الراهن، يذكّر كيسوتر الذي سبق أن شغل منصب نائب رئيس اللجنة الفرعية لنزع السلاح والحدّ من التسلّح وعدم الانتشار في البرلمان بحماية ألمانيا لمصالح لبنان داخل الإتحاد الأوروبي في بروكسل.
ويشير إلى إمكانية تعزيز التعاون التقني والاستفادة من خبرات ألمانيا من خلال الوكالة الألمانية للتعاون الدَولي GIZ في مجال إدارة البرامج وفي مسائل البنى التحتية كالمياه على سبيل المثال. فضلاً عن ذلك، في إمكان برلين زيادة تعاونها مع قوات “اليونيفيل” لتوفير حماية عسكرية أفضل في الجنوب اللبناني.
ويقول عضو حزب “الإتحاد الديموقراطي المسيحي الألماني”: “مثلما دعمت ألمانيا قوات البشمرغة الكردية في العراق، يمكنها دعم الجيش اللبناني ولا سيّما حرس الحدود والشرطة لضبط الحدود مع سوريا، وسوف أنقل ذلك لرئيسة حزبنا المستشارة أنجيلا ميركل، وسأرفقه بطلبٍ الى رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البوندستاغ”.
في الشقّ الإنساني، تفضّل حكومة برلين زيادة المساعدات للّاجئين في لبنان عوض أن تستضيفَ مزيداً منهم على أراضيها.
ويقول: “كلفة استضافة لاجئ في ألمانيا هي أعلى ممّا هي عليه في لبنان على سبيل المثال، لذا ندعم وجودَهم في دول الجوار، ونسعى إلى إنشاءِ برامج لحماية اللاجئين في المنطقة، سياستنا المساعدة وليس امتصاص اللاجئين”.
ويذكر أنّه في العام الماضي “استضافت ألمانيا 250 ألف لاجئ، وهذا العام سيبلغ عدد مَن نستقبلهم 500 ألف”، مستغرباً عدم استضافة السعودية للّاجئين، آملاً أن يكون دعمها لهم بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية.
في موازاة ذلك، لا يغفل كيسوتر ذهاب 650 متطرفاً من ألمانيا الى سوريا والتحاقهم بـ”داعش” وعودة ثلثهم الى ألمانيا مجدداً، لكنّ السلطات الألمانية تحرّكت وعزّزت إجراءتها لحماية شعبها من الذين يعودون من سوريا.
ومن بين تلك إلاجراءات، إطلاع الشباب وتوعيتهم على حقيقة “داعش” من خلال تجارب عناصر كانوا في هذا التنظيم المتطرّف وعادوا الى ألمانيا، والتوضيح أنّ الاسلام هو دين تسامح وليس ما تمارسه “داعش”، وتنظيم قمّة إسلامية مرتين سنوياً لمناقشة هذه المسائل، مسجِّلاً لوزير الداخلية الألمانية توماس دي ميزيير كفاءته في هذا المجال.
إعادة ترسيم حدود الشرق الأوسط
وفي خضم الحديث عن إنهيار الحدود التي رسمتها إتفاقية “سايكس بيكو”، وإمكانية أن تحدّ إعادة ترسيم الحدود من نزاعات الشرق الأوسط، يقول النائب الألماني: “لطالما حمينا هذه الحدود على حالها، لكنّها حدود اصطناعية قامت على أثر الحرب العالمية الاولى، وإن كان هناك اتجاه لقيام دولة سنّية او كُردية أو مسيحية، فإنّ مستقبل المنطقة يجب بحثه بالتنسيق مع كلّ القوى من روسيا الى الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وتركيا وإسرائيل”.
إلّا أنّه يوضح أنّ هذا الخيار يجب أن يكون وفق “ما يريد أبناء المنطقة، الأمر سيستغرق سنوات، لكن، في البداية يجب قيام حكومة انتقالية في سوريا، فلا حلّ طالما الأسد موجود في السلطة. يجب إبعاده”.
ويضيف: “إذا شهدنا بنى لإيجاد حدود جديدة يجب أن يكون هناك ضمانات أمنية إقليمية متبادَلة، على غرار ضمانات حلف الأطلسي ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا OSCE، وإلاّ فإننا نخلق أسباباً من شأنها إحداث ضرر كبير”.
ويعتبر كيسوتر أنّه لو نسّقت الولايات المتحدة مع الاسد لمواجهة “داعش” فهذا سيكون خطأً كبيراً”. ويقول: “الأسد مارس الإرهاب ضدّ شعبه، استخدم الأسلحة الكيماوية، وتحكّم بدول الجوار”.
ويلفت إلى أنّ بلاده يمكنها أن تلعب دورَ الوسيط في الأزمة السورية، وأن تأتي بخبرائها الذين يملكون خبرة من تجربة دول البلقان. إلّا أنّه يستبعد قيام ألمانيا بمبادرة جديدة لمكافحة التطرّف، مع العلم أنّها تنشط في جوانب عدّة ومنها تزويد تونس على سبيل المثال بخبراء في مجال مراقبة الحدود.
ويقول: “لا حاجة لمزيد من المبادرات، المطلوب زيادة التعاون وتطبيق القانون الدَولي، وعدم عرقلة وصول الشرطة الى داتا الاتصالات، وطالما أنّ المشكلة ضمن العالم الإسلامي لا يمكن فرض حلول من الخارج لمواجهة الإرهاب، الحلّ يجب أن يكون من المنطقة وشاملاً”.
ماذا ينقص الاتفاق النووي؟
الإتفاق النووي الإيراني كان له حيّز معتبر على مائدة النقاش. ففي نظر كيسوتر، ستبدي إيران تعاوناً أكبر في ملفّ الأزمة السورية، على رغم أنّ طهران ستتلقّى بعد رفع العقوبات الأموال من الخارج، وهذا من شأنه زيادة دعمها لـ”حزب الله” والحوثيين في اليمن.
ويرى النائب الألماني قصوراً في الاتفاق النووي، كونه لم يلحظ 3 مسائل جوهرية، وهي قدرة إيران على حيازة تكنولوجيا تصنيع صواريخ باليستية، ونشاطاتها الخارجية في فنزويلا وكوريا الشمالية على سبيل المثال، فضلاً عن تجاهل حقّ إسرائيل في الوجود.
ويقول النائب الألماني: “هذه الاشياء ليست جزءاً من الاتفاق، علينا الحذر والنظر الى التطوّرات التي ستشهدها إيران. الضغط الأميركي هو الأساس. إيران لن تستسلم، شهيّتها لتطوير قنبلة نووية خلال السنوات الـ25 المقبلة ستستمرّ، وهي تريد أن تكون أكثر من قوة إقليمية”.
ويشدّد على ضرورة “أن تتابَع المفاوضات حول دور إيران في الشرق الأوسط، وروسيا في إمكانها المساعدة في توفير الإرادة للعمل على حلٍّ ممكن للمنطقة”.
في الوقت عينه، لا يرى كيسوتر رابطاً مباشراً بين إمكانية اشتداد ساعد نفوذ الجماعات المتطرّفة رداً على الإتفاق مع إيران. ويقول: “لا أرى رابطاً، إيران حصلت على قوة تمكّنها محاربة داعش، لكنّ القضية لا تزال غامضة وملتبسة”.
وينتقد في الوقت عينه مسارعة سيغمار غابريل وزير الاقتصاد الألماني ونائب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى زيارة طهران، إذا كان يفترض بروتوكولياً أن يزورها وزير الخارجية الألمانية فرانك شتانماير أوّلاً.
ويقول: “هي زيارة خاطئة في الوقت الخاطئ، وقائمة على المصالح الاقتصادية. لقد أخطأ غابريل بالتصريح أنّ إيران دولة صديقة”، مجدداً عدمَ ثقته بإيران لاستمرارها في دعم الميلشيا الشيعية ورغبتها في عزل إسرائيل.
ويختم النائب الألماني حديثه بالتمنّي على اللبنانيين أنْ لا يتركوا بلدهم الجميل “لقمة سائغة للإرهابيين والمتطرّفين”، معوّلاً على قدرة الطبقة المثقفة تقوية المجتمع اللبناني وتعزيز تماسكه.