#adsense

مشاكل معقدة للنازحين السوريين على لبنان

حجم الخط

تبادر المؤسسات والمنظمات اللبنانية غير الحكومية الى إصدار تقارير ودراسات تتناول وضع اللاجئين السوريين في لبنان، بعد ان تخطى عددهم مليوناً ومئة ألف، وبات هذا النزوح مشكلة على الجميع في ظل عجز حكومي لبناني عن ايجاد حلول وتراجع المجتمع الدولي عن التزاماته، على الرغم من وجود منظمات دولية تعمل على خطين متوازيين: تقديم المساعدات للاجئين ومساعدة البلدان المضيفة على تخطي مرحلة لا أحد يعلم كيف ستنتهي.
قبل ايام أصدرت مؤسسة «لايف» (المؤسسة اللبنانية للديموقراطية وحقوق الانسان) تقريرا حمل عنوان «لاجئون خارج الحماية». ينقسم التقرير إلى قسمين: القسم الاول للانتهاكات التي يتعرّض لها اللاجئون، والقسم الثاني للتوصيات. وبالتوازي اصدر معهد العلوم السياسية في الجامعة اليسوعية في بيروت تقريراً أعده طلبة في الجامعة ويتناول أيضا اوضاع اللاجئين السوريين في لبنان وتأثيرها في المجتمع اللبناني، حمل أيضا توصيات تتماهى مع تقرير مؤسسة «لايف».
واقع مرير

يسلّط تقرير مؤسسة «لايف» الضوء على أوضاع النازحين السوريين منذ دخولهم الى لبنان في شهر ابريل 2011، حيث لم يخطر على بالهم انهم سيتعرضون الى مخاطر تهدد حياتهم وأمنهم الاجتماعي على غرار ما لاقوه في وطنهم من انتهاكات جسيمة. فيؤكد أن السوريين وقعوا في كماشة مميتة بين واقع خطير في سوريا، هربوا منه وواقع مرير في لبنان لا يستطيعون تركه، بسبب معوقات قانونية عدة، ليس أقلها انتهاء صلاحيات جوازات سفرهم او عدم امتلاك جوازات سفر من أصله تمكنهم من الخروج من هذا البلد الى مكان آخر يجدون فيه الأمن والحماية.
تعاطي الدولة اللبنانية مع النازحين السوريين تضعهم في معتقل كبير اسمه لبنان، حيث تنتزع منهم كل حقوقهم الأساسية من خلال قرارات حكومية جائرة وعشوائية في معظم الأحيان، او من خلال أفعال تعسفية، وغالباً غير قانونية تمارسها الأجهزة العسكرية والأمنية بحقهم، الى أن يتم تجريدهم من الانسانية بشكل جزئي أو كامل وسط صمت دولي رهيب يدفع اللاجئ السوري الى اليأس.
انتشار فوضوي

يرى معدّو التقرير ان جذر الانتهاكات الحاصلة في موضوع اللاجئين هو اعتبار الحكومة اللبنانية وجود أعداد متزايدة من اللاجئين السوريين على أراضيها يشكّل مصدراً خطيرا على الاستقرار الأمني والاقتصادي والاجتماعي، وكذلك على سوق العمل والبنى التحتية في بلد يعاني من مشاكل على مختلف الصعد.
فالحكومة اللبنانية التي أبقت حدود بلدها مفتوحة لاستقبال مئات الآلاف من اللاجئين السوريين لم تسمح بانشاء مخيمات نظامية على أراضيها، ما جعل الانتشار السوري في لبنان فوضوياً ترسمه مخيمات بائسة وركيكة تنتشر في مناطق لبنانية تعاني من حرمان تاريخي منذ نشأة الجمهورية اللبنانية. فلبنان الذي لم يوقع على اتفاقية اللاجئين في عام 1951 صادق على معظم الاتفاقيات المتصلة بحقوق الانسان التي تتضمن بنوداً تعزز حماية اللاجئين. لكن هذه الاتفاقيات التي التزمت السلطات اللبنانية باحترام بنودها لم يكن لها أي أثر في الواقع، ان كان لجهة ممارسات السلطات الحكومية، او لجهة احكام القضاء، وبالتالي بقي طالبو اللجوء في لبنان عملياً خارج اطار الحماية.
ويقول رئيس مؤسسة «لايف» المحامي الناشط الحقوقي نبيل الحلبي لــ القبس إنه كان يأمل في ان يتضمن تقريره الثاني تقدماً ملموساً في أوضاع اللاجئين السوريين، مقارنة بما نشرته المؤسسة من انتهاكات تعرّض لها اللاجئون في لبنان منذ سنتين، والتي نشرت «لايف» تفاصيلها في تقريرها الأول حول الاوضاع القانونية للاجئين في 15 يناير 2013، «لكن ما يدفع الى القلق هو تدهور حالة حقوق الانسان في لبنان بشكل دراماتيكي وسريع عاماً بعد عام، حيث يشكل الوضع المأساوي للاجئين الحالة الأبرز بين جميع تلك الانتهاكات اللاحقة بحقوق الانسان».
واعتمدت المؤسسة في تقريرها على مصادر متنوعة، وهي موثقة بالمستندات والصور. ومن أهم هذه المصادر:
• الشكاوى التي تلقتها المؤسسة من الضحايا وذويهم وأقاربهم.
• تقارير مندوبي المؤسسة المنتشرين في مناطق وجود اللاجئين.
• سجلات المحاكم اللبنانية.
• التقارير الأمنية والبيانات العسكرية.
• التقارير الصحافية الخاصة.
• البيانات والتصريحات الصادرة عن الحكومة اللبنانية وأجهزتها الرسمية.
معتقل كبير

يتناول التقرير أقل الانتهاكات جسامة وصولاً إلى أشدها. من موضوع العنف والحض على الكراهية والعنصرية، وصولاً الى موضوع العمل، وهو شائك وملتبس بين خطاب حكومي يقول بحماية اليد العاملة الوطنية، وهذا من حقها، وبين لاجئ لا يملك مقومات الصمود والعيش والأمن الغذائي، لاسيما في ظل قرارات بتخفيض المساعدات والتقديمات. فماذا يفعل اللاجئ الممنوع من العمل أمام منطق سيادي، وعجز المنظمات عن المساعدة؟
العناية الطبية تدخل ضمن الانتهاكات. إذ إن الحكومة اللبنانية عاجزة عن تقديم العناية لمواطنيها ومفوضية شؤون اللاجئين لا تشمل كل اللاجئين، ولا كل الامراض. يقول الحلبي إن بعض اللاجئين كانوا يتوجهون الى دمشق للعلاج، ولكن بعد صدور قرار الأمن العام اللبناني في 2014/12/31 لم يعد باستطاعتهم الخروج من لبنان، وإلا منعوا من العودة.
موضوع التنقل هو الآخر يدخل ضمن الانتهاكات، إذ إن معظم اللاجئين يواجهون مشكلة في التنقل داخل لبنان، ومنهم من لا يملك جواز سفر. في المحصلة يجد اللاجئون أنفسهم وقد وُضعوا في معتقل كبير اسمه لبنان.
قتل واختفاء قسري

تتضاعف الانتهاكات من دون إيجاد حلول لها، لا من قبل المجتمع الدولي ولا من قبل الحكومة اللبنانية. من الانتهاكات الجسيمة التي يتناولها التقرير هي القتل خارج القانون التي لا تأتي على ذكرها وسائل الاعلام. فقد حصلت عمليات قتل للاجئين السوريين، إضافة إلى عمليات قتل تلصق باللاجئ السوري المستضعف للتغطية عليها. وفي المرحلة الأخيرة برزت حالات خطف واختفاء قسري لضباط منشقين عن الجيش السوري ولموظفين حكوميين منشقين ولمعارضين، وتم نقلهم إلى سوريا بهدف مبادلتهم بأسرى لميليشيات تحارب الى جانب النظام السوري. كما حصلت عمليات تحايل على تسليم اللاجئ يقوم بها الأمن العام اللبناني، فبدلاً من تسليمه مباشرة إلى حكومة بلده، وهذا أمر مخالف للمادة الثالثة من اتفاقية مناهضة التعذيب، التي تحظر تسليم أي شخص لدولة قد يتعرّض فيها للتعذيب، يلجأ الأمن العام اللبناني الى وضع اللاجئ السوري في منطقة حدودية بين لبنان وسوريا، تكون خاضعة للأمن السوري فيختفي هذا اللاجئ في غضون أيام، ولا يُعرف شيء عن مصيره.
التعذيب في السجون

يتطرق التقرير إلى موضوع التعذيب داخل السجون. كل اللاجئين السوريين الذين تم اعتقالهم من قبل المؤسسة العسكرية تعرّضوا للتعذيب. شريط الفيديو المسرّب أخيراً عن تعذيب موقوفين لبنانيين إسلاميين أظهر أن عمليات التعذيب طالت لاجئين سوريين موجودين في سجن رومية بتهمة مخالفة شروط الإقامة. والتعذيب يتم بهدفين: لانتزاع اعترافات أثناء التحقيق الأولي. وتعذيب من أجل التشفي والانتقام وهو أخطرها.
الاعتقال التعسفي لا يقتصر على اللاجئين، بل يشمل لبنانيين يتعاطفون مع الثورة السورية. بمجرد القول إن هذا اللاجئ ينتمي لأى منظمة إرهابية يتم اعتقاله على الفور. يتم التحقيق معه تحت التعذيب، وقد تمتد فترة اعتقاله لأشهر من دون التفكير بالأمور الجانبية التي تحصل بالتوازي مع هذه الانتهاكات كأن يكون اللاجئ المعيل الوحيد لأسرته.
الأمومة والطفولة الضائعة

يفرد التقرير حيزاً خاصاً لموضوع الأمومة والطفولة، أكثر الفئات هشاشة في المجتمع، وتستوجب حماية خاصة. ألا أن وضعها سيئ مثل أي لاجئ. بحسب إحصاءات التقرير يتبين أن %16 من الأسر السورية تعيلها الأم. كما يتطرق التقرير الى ظاهرة تفشي الزواج المبكر للفتيات اللاجئات والاستهانة بكرامة المرأة السورية اللاجئة. وظاهرة عمالة الأطفال والاتجار بهم واستغلالهم من قبل شبكات التسول المنظمة والدعارة.
يتوجه تقرير لايف في قسمه الثاني بتوصيات الى الحكومة اللبنانية بكل أجهزتها لحضها على سن قوانين تحمي اللاجئين وتحث السلطات التشريعية على المصادقة على اتفاقيات اللاجئين. وتتلخص هذه التوصيات بوقف تطبيق القرار الصادر عن الحكومة اللبنانية بمنع دخول اللاجئين السوريين الى لبنان ووقف أعمال ترحيل السوريين الى بلدهم عنوة، ومنحهم الإقامات القانونية حين يطلبونها من جهاز الامن العام من دون اي معوقات قانونية. كما يطالب الحكومة اللبنانية بالعودة عن القرارات التي من شأنها ان تحوّل اللاجئ السوري الى مقيم بطريقة غير مشروعة على الأراضي اللبنانية، والتعاطي مع اللاجئ السوري بمنطق إنساني وعقلاني ولجم البلديات في المناطق عن اتخاذ إجراءات غير قانونية وغير إنسانية بحقهم. والكف عن الاعتقالات التعسفية والعشوائية بحق اللاجئين بحجة الأمن الوقائي.
الشعور بانعدام الأمان

من جهته، عقد معهد العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف مؤتمراً صحافياً تحت عنوان «نظرة اللاجئين السوريين والمجتمعات اللبنانية المضيفة لمسألة شعورهم بالأمن»، عرض فيها لدراسة حول النازحين السوريين قام بها المعهد بدعم من المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
الجديد أن هذه الدراسة لا تتناول وضع اللاجئين السوريين بمعزل عن تأثيرها في المجتمع اللبناني. بل تتطرق الى سياسات الحكومة اللبنانية تجاه السوريين وانعكاسها على المجتمع اللبناني الذي يشعر بقلق متزايد، وانعدام الشعور بالأمان نتيجة هذه الأزمة.
الدراسة التي أعدها طلاب في المعهد أمضوا أسبوعين في مناطق انتشار اللاجئين أشارت الى ان نحو %70 من اللاجئين لا يملكون وثائق إقامة قانونية، وهم لا يبلغون عن أي انتهاكات يتعرّضون لها خوفاً من اعتقالهم. وان %34 من السوريين الموجودين في بيروت لا يشعرون بالأمان، في حين تتدنى هذه النسبة في مناطق الشمال والبقاع وجبل لبنان والجنوب. اللافت أن السوريين في عرسال وطرابلس والمفروض أنهم موجودون في بيئات حاضنة -إن صح التعبير- كانوا الأقل شعوراً بالأمان. في المقابل، تشير الدراسة الى ان %50 من اللبنانيين لا يشعرون بالأمان جراء وجود السوريين في لبنان.

المصدر:
القبس الكويتية

خبر عاجل