
بعد مرور 14 شهراً على الفراغ الرئاسي، وبالرغم من التهميش المتعمد لموقع الرئاسة التي أطلقوا عليها الأولى ليكون هناك رئاسات متوازية ثانية وثالثة، ومع كل النواح والبكاء على أطلال الصلاحيات الرئاسية التي لم يمارسها عملياً أي رئيس قبل الطائف، ولم يترك السوري للرؤساء الدُمى الذين أتى بهم ليمارسوا فعلياً الصلاحيات التي نصّ عليها إتفاق الطائف، تبين أن الدولة اللبنانية من دون وجود رئيس للجمهورية، تكون مُعطّلة إما جزئياً أو كلياً، وكل شيء فيها تقريباً، يحتاج الى مُعجزة أو عناية فائقة ليستمر. وعلى الرغم من التسويق الدنيء والمُمنهج على مرّ السنين العجاف لإظهار عدم أهمية موقع الرئاسة في الحياة السياسية اللبنانية، تبين أن كل الأفرقاء يسعون، لا بل يستميتون، من أجل إيصال مرشحهم الى قصر بعبدا، ما دفع بالبعض الى تعطيل العملية الإنتخابية بالكامل، فقط لأنه لا يضمن فوز مرشحه.
ظنّ هذا البعض أن الفراغ فرصة ذهبية سانحة للضغط من أجل مكاسب إضافية ووضع شروط تؤمن له السيطرة على مفاصل الدولة ومواردها، وترافقت هذه الأوهام مع تهويل غير مسبوق بالتحذير من أن الرئيس سليمان سيكون آخر الرؤساء المسيحيين، مع حملة تخويف وتهديد المسيحيين بثلاثية ومؤتمر تأسيسي يُضعف أيضاً وأيضاً الصلاحيات ومواقع المسيحيين في الدولة.
لذلك، نوضح الآتي:
النقطة الأولى، وبالمختصر المفيد، إن أي مؤتمر تأسيسي أو ما يشبهه بتسميات أخرى، لن يُبصر النور ما لم يهدف أولاً الى تعزيز وتوسيع صلاحيات الرئيس المسيحي، الذي تبين أنه فعلاً هو الحامي الفعلي للدستور والمايسترو الذي ينظم إيقاع عمل المؤسسات.
النقطة الثانية، لمن لديه أوهام أو أحلام لتهميش دور المسيحيين في لبنان من خلال الإستيلاء على مواقعهم الواحد تلو الآخر وصولاً الى موقع رئاسة الجمهورية، وقد سبق أن هددوا وهولوا بأن عصر الرؤساء المسيحيين قد إنتهى، لا تفرحوا بهذا الوضع الذي سيرتد سلباً على الجميع وليس على المسيحيين فقط، ولولا الدور المسيحي الفاعل والمؤثر في لبنان، لكانت معظم المدن اللبنانية نسخة طبق الأصل عن الموصل والفلوجة وتكريت وعدن وصنعاء وبنغازي وطرابلس وحلب ودرعا وجسر الشغور وإدلب… وغيرها المئات من المدن الأخرى التي تغرق في دمائها وقد تحولت الى كُتل من الركام جرّاء الصراع المذهبي الوحشي الذي يعصف بها.
أضف أن تاريخ المسيحيين في لبنان شاهد على صلابتهم وقدرتهم على المواجهة بكل أشكالها وبمختلف الظروف، ومن يراهن على تهميشهم أو تخويفهم للسيطرة عليهم، إنما هو جاهل لم يتعلم شيئاً من التاريخ، ولحظة إنكفائهم عن لعب دورهم المعهود في لبنان، سيتحول هذا البلد فوراً الى بؤرة أخرى مُلتهبة للصراع الذي سيتسلل بكل سهولة من البلدان المُحيطة بنا.
من مصلحة الجميع أن يبقى لبنان بهذه التركيبة الفريدة في نسيجه السياسي والإجتماعي وتعزيز دستوره بقوانين حاسمة وواضحة وغير قابلة للنقاش والجدل، للحفاظ على حقوق كل مكونات المجتمع، لأن مَن يشعر اليوم أنه قوي وقادر على فرض ما يريد، سيكون في المستقبل القريب عاجزاً حتى عن الحفاظ على المكتسبات التي إستحصل عليها بالقوة في زمن الإحتلال.