
كتب نجم الهاشم في “المسيرة” العدد 1518:
في العام 1982 تابع الشيخ بشير الجميل هذه العلاقة. انتخابه رئيسًا للجمهورية كان بعد زيارته الى المملكة.
البارز في هذه الزيارة أن المملكة قررت استقبال رئيس “القوات” بما ومن يمثل وبصفته مرشحًا دائمًا لرئاسة الجمهورية وبموقعه المسيحي والوطني والحزبي.
كانت الحفاوة ظاهرة من خلال مناداة الملك للدكتور جعجع بـ”الحكيم”.
هذا البلد “يهمنا أمره كثيرًا”، سمع الدكتور جعجع من الملك ومن المسؤولين الآخرين الذين التقاهم.
جعجع سمع حرص المملكة على دور المسيحيين في لبنان وفي الشرق، خصوصًا في ظل موجة الإرهاب التكفيري الحاصلة في المنطقة.
جعجع سمع بشكل واضح أن لا أجندة سعودية خاصة ولا مصالح سعودية خاصة في لبنان: “يهمنا لبنان وليس دورنا في لبنان”.
ماذا دار في لقاءات الدكتور سمير جعجع مع الملك سلمان والمسؤولين السعوديين؟
ليست المرة الأولى التي يذهب فيها رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع الى السعودية ولن تكون الأخيرة. ولكنها المرة الأولى التي تعطى فيها زيارته هذه الأهمية نظرًا للحفاوة التي استقبل فيها وللقاء الخاص الذي عقده مع الملك سلمان وكبار قادة المملكة في هذه المرحلة المصيرية التي تمر فيها المنطقة والمملكة ولبنان. فكثيرون باتوا يترقبون ما سيقوله جعجع أو ما سيفعله بعد عودته ليبنوا على الشيء مقتضاه وليعرفوا ما تفكر به المملكة وما تخطط له وكأنهم يتوجسون من نتائج هذه الزيارة التي يعتبرون أيضًا أنها وضعت جعجع في مكان متقدم وفي موقع بارز أكثر من أي وقت آخر. ولكن في الواقع إن العلاقة بين جعجع والسعودية ليست بنت هذه الزيارة، كما أن اللقاء مع الملك لم يكن إلا تتويجًا لمسار كامل بدأ منذ تسلم الدكتور جعجع المسؤولية الأولى في قيادة “القوات اللبنانية”.
قبل جعجع لم تكن علاقة المسيحيين بالمملكة مقطوعة بل كانت أساسية وهادفة وواعدة. دائمًا كانت المملكة صديقة للبنان. الرئيس كميل شمعون، خلال رئاسته للجمهورية، وبعدها نسج روابط وثيقة مع الحكم السعودي من الملك سعود الى الملك فيصل والملك خالد. كانت مسألة عادية أن يستقبل لبنان الملوك والأمراء السعوديين. كان كأنه وطنهم الثاني. ودائمًا لم تغب المسألة اللبنانية عن بال المملكة التي لم تنظر الى لبنان إلا من زاوية الوطن الذي يجب أن يبقى كامل السيادة.
في العام 1982 تابع الشيخ بشير الجميل هذه العلاقة. انتخابه رئيسًا للجمهورية كان بعد زيارته الى المملكة. ما يفعله سمير جعجع ليس إلا استكمال هذا الخط من العلاقة. دائمًا كانت المملكة الى جانب لبنان والقوى السيادية فيه ضد محاولات السيطرة عليه. هذا ما برز في الدور الذي لعبه الرئيس رفيق الحريري منذ بدأ حركته السياسية موفدًا خاصًا للملك فهد، وهذا ما تأكد في خلال استضافة المملكة العربية السعودية للنواب اللبنانيين في مؤتمر الطائف في العام 1989 وفي التوصل الى ما سمي “اتفاق الطائف” وأصبح دستور الجمهورية اللبنانية الجديد.
لم يكن الطائف مجرد وثيقة سياسية بل كان الطريق لاستعادة السيادة اللبنانية. ولهذه الغاية كانت زيارة وزير الخارجية السعودي وقتها الأمير سعود الفيصل الى دمشق ولقاؤه الرئيس حافظ الأسد من أجل الحصول على موافقته على هذا الاتفاق الذي نص على خروج الجيش السوري من لبنان بعد عامين على بدء تطبيق الطائف وهذا ما لم تلتزم به دمشق.
زيارة الدكتور سمير جعجع الى المملكة العربية السعودية لا تخرج عن هذا الإطار السيادي. فـ”القوات اللبنانية” مثّلت دائمًا هذا الخط. عندما دعمت الطائف وعندما واجهت عهد الوصاية. وعندما فضلت السجن والقمع على الطاعة والانبطاح. وعندما وقفت الى جانب الرئيس سعد الحريري بعد اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري وكانت في صلب قوى 14 آذار.
في الخريف الماضي زار الدكتور جعجع السعودية أيضًا والتقى وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل وكبار القادة في المملكة. يومها قيل الكثير عن هذه الزيارة وعن أنها فتحت مسارًا جديدًا في خط العلاقات بين المملكة وبين الدكتور جعجع و”القوات اللبنانية” نظرًا للحفاوة التي استقبل بها جعجع. وبعد وفاة الملك عبدالله واعتلاء الملك سلمان العرش كان جعجع في المملكة أيضًا، وفي كل هذه العلاقة كانت الثقة هي الأساس ولم تهزها عمليات الترهيب ومحاولات الاغتيال.
لذلك تبقى الزيارة الأخيرة ضمن إطار هذه الثقة. لم يكن التوقيت مرتبطاً بالتطورات. لا بالملف النووي الإيراني ولا بالحرب الدائرة في سوريا أو في العراق أو في اليمن، ولا بالفراغ الرئاسي في لبنان. كان الموعد محددًا وتم في وقته. عندما ذهب الدكتور جعجع على رأس وفد من “القوات” للتعزية بالملك عبدالله كانت هناك ترتيبات خاصة به خارج إطار الوفود الأخرى الرسمية وغير الرسمية، وهذه المرة كانت الترتيبات الخاصة مرافقة للزيارة من بدايتها الى نهايتها.
البارز في هذه الزيارة أن المملكة قررت استقبال رئيس “القوات” بما ومن يمثل وبصفته مرشحًا دائمًا لرئاسة الجمهورية وبموقعه المسيحي والوطني والحزبي. لم يكن لقاؤه مع الملك يوم الأحد 19 تموز الحالي بعيدًا من الإعلام. تظهير هذا اللقاء بكل ما رافقه من مظاهر الحفاوة والتكريم ليس مسألة سعودية عادية أو عابرة. كان الأمر مقصودًا وكان رسالة للجميع. بدا ذلك من خلال الودّ المتبادل ومن خلال المسؤولين السعوديين الذين شاركوا في اللقاء وخصوصًا ولي ولي العهد وزير الدفاع نجل الملك الأمير محمد بن سلمان ورئيس الاستخبارات العامة خالد بن حميدان وغيرهما. كانت الحفاوة ظاهرة من خلال مناداة الملك للدكتور جعجع بـ”الحكيم”.
لم تكن مسألة عادية أن تظهِّر المملكة هذه الزيارة إعلاميًا عبر التلفزيون السعودي ثم عبر صحف أساسية في المملكة خصوصًا “الشرق الأوسط” و”الحياة”. فعندما يتم الأمر على هذا النحو فهذه إشارة ورسالة قوية لهما دلالاتهما التي تعني أن المملكة تدعم ضيفها وتعتبره صديقاً على المستويات كلها، وتعني أيضًا أن المملكة صديقة للبنان وللشعب اللبناني وهي مصرة على الحفاظ على الأمن والاستقرار في هذا البلد “الذي يهمنا أمره كثيرًا”، كما سمع الدكتور جعجع من الملك ومن المسؤولين الآخرين الذين التقاهم. جعجع سمع أيضًا حرص المملكة على دور المسيحيين في لبنان وفي الشرق، خصوصًا في ظل موجة الإرهاب التكفيري الحاصلة في المنطقة.
جعجع سمع بشكل واضح أن لا أجندة سعودية خاصة ولا مصالح سعودية خاصة في لبنان: “يهمنا لبنان وليس دورنا في لبنان”. وهذه ليست المرة الأولى التي يسمع فيها هذا الكلام. ففي المملكة هناك اعتبار دائم للمصلحة اللبنانية من خلال التأكيد على أن المدخل لاستقرار لبنان وازدهاره هو في المشاركة العادلة للمكوّنات اللبنانية من دون استثناء على أن تكون هذه المكوّنات تعمل لمصلحة لبنان وليس لمصلحة أجندات خارجية. ومن هذا الباب لمس جعجع حرص المملكة على الدور المسيحي في لبنان وفي العالم العربي على قاعدة أنها منفتحة وتسعى للخير ولكنها في الوقت نفسه حازمة بعدم السماح بالتدخل في شؤون لبنان والدول العربية الأخرى، لأن هذا التدخل أدى الى زعزعة استقرار هذه الدول.
في لقاءاته لمس جعجع أيضًا وجود مرارة لدى القادة السعوديين ممن يحاولون إظهار المملكة بأنها تدعم التطرف بينما هي تشكل رأس حربة في محاربته داخل حدودها وخارجها. يهم المملكة أيضًا عمل المؤسسات اللبنانية لأنه يشكل عامل استقرار وهي دائمًا كانت داعمة لهذه المؤسسات، ومن هنا حرصها على موقع رئاسة الجمهورية وعلى دعمها للجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية الأخرى، وهي تأمل أن يتم انتخاب رئيس للجمهورية في أسرع وقت وألا يكون هذا الانتخاب على حساب هوية لبنان وانتمائه، بل لتأكيد هذا الانتماء وهذه الهوية. ومن هذه الزاوية كان هناك توافق بين المسؤولين في المملكة والدكتور جعجع على أهمية الدور المسيحي في اختيار الرئيس مع الحفاظ على البعد الوطني لهذا الموقع.
في لقائه مع الملك كانت جولة عامة حول الأوضاع في لبنان والمنطقة. في اللقاء يوم الاثنين مع ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ووزير الخارجية عادل الجبير ورئيس الاستخبارات العامة خالد بن علي الحميدان تم الدخول في التفاصيل. كان جعجع حريصًا على شكر المملكة على كل ما تفعله من أجل لبنان وعلى استقبالها مئات آلاف اللبنانيين وتقديم فرص العمل لهم. وكانت قراءة مشتركة للوضع في المنطقة. كان المسؤولون السعوديون حرصاء على سماع رأي الدكتور جعجع حول التطورات الحاصلة وقراءته للأوضاع وكان هناك تطابق في وجهات النظر واتفاق على متابعة الجهود للخروج من هذه الأزمات بالحكمة والانفتاح عند المستطاع وبالصلابة والحزم عند الاقتضاء.
في المملكة إدراك كامل لصعوبة الوضع وتعقيداته ويعتبرون أن العالم العربي يمر بمخاض عسير، ولكن في المملكة أيضًا قرار واضح بالمواجهة وأن لكل أزمة مداخلها وحلولها من اليمن الى العراق الى سوريا ووصولاً الى لبنان.
في قصر السلام في جده حيث حصل اللقاءان سمع جعجع كلامًا سعوديًا كثيرًا عن الحرص على لبنان وعن التقدير السعودي لمواقفه: “نحن نحب لبنان ونحب من يحبه. ونقدر شخصك ومواقفك”.
في المملكة ثمة متابعة واسعة للوضع في لبنان. يعرفون الأمور بتفاصيلها. يسألون ويستمعون ويحاولون الخروج بخلاصات واستنتاجات.
في المملكة كان جعجع أيضًا حريصًا على التشديد على مطالبة المسؤولين السعوديين بالاستمرار في دعم لبنان ومؤسساته، وعلى التأكيد على العلاقة التاريخية وعلى المسار الذي حكم هذه العلاقة وعلى متابعة هذا المسار.
لأن هذه الزيارة لن تكون الأخيرة، ولأن الكثيرين ينتظرون ما سيقوله أو سيفعله جعجع، من المفيد أن يقرأوا الرسالة وأن يعرفوا أن خط سمير جعجع لا يتبدل كما خط المملكة.