
هذه بيروت؟ جونيه؟ المتن؟ هذا جبل لبنان؟ تلال الزبالة، قمم القمامة، مرتفعات القذارة؟ هذا وطننا أم هو التباس ما، في مكان ما، في جغرافيا ما، في أرض ما أخرى لا هي نحن ولا تشبهنا بشيء وليست منا”؟ أم لعل هنا الالتباس الحقيقي، لعلّ الأصح أن هذه هي مرآتنا الحقيقية، مرآة الوطن الداشر الكاذب الغارق بقمامة الصفقات، وطن الفوضى وزبالة العمولات والفضائح التي لم تعد فضائح على وفرتها وتكاثرها؟ وطن الفرّيسيين المتوغلين في أعناقنا وشراييننا الذين حوّلوا وطنا، كان يقال ذات حلم، انه وطن الارز وصار حضارة الزبالة المشقوعة تخلفاً قهراً جنوناً سفالة، ليس أقل من ذلك، سفالة على عيون الاوطان الحقيقية، على عيون تاريخنا وجغرافيتنا وانسانيتنا.
هذه ليست أكوام وجبال القمامة التي تلامس بيوتنا وأجسادنا ووساداتنا وبراداتنا، هذه أنتم في الواقع، هذه صورة مظهّرة حقيقية عما هو جوف الوطن، عما يدور في كواليسه ومطابخه السياسية الفاسدة المتاجرة بكل شيء، كل شيء من دون استثناء للوصول الى كرسي، أموال، مطامع، صفقات، المتاجرة بتاريخ وطن بني على الشهداء، الشهداء يا كفرة يا عملاء يا مرتشين يا تجار الناس والحجارة والشرف وكل ما يمت الى قيم الوطن بصلة.
أسابيع والزبالة تتعمشق أغصان أشجار فوق بيوت لبنان ولا حلّ حتى الساعة، حصلت مرة في السبعينات في لندن عندما أضرب العمال وبقيت القمامة في الشوارع ثلاثة أيام فسقطت الحكومة آنذاك. أسقطها الشارع، هنا لا يسقط الا الحق، الا الناس وحقوقهم ويبقى المسؤولون متربعين فوق عرش من أكوامنا، لم تتوصل الحكومة الى حل نهائي قال، وهنا المفارقة العجيبة الغريبة، قال انها “تحاول” التوصل الى حلّ في موضوع النفايات يرضي المواطنين والكتل النيابية، وبدل عقد اجتماع استثنائي مثلاً أجّلت الجلسة ليومين اضافيين!!!! كيف؟ لم نفهم، كيف جمعت الحكومة الاضداد في منظومة “رضى” واحدة لم نفهم، لا يهمنا أن ترضوا او تزعلوا، صرتم عبء العمر، صرتم مأساة الوطن، صرتم اضافات يجب ازالتها لتركنوا الى التقاعد المريح فهذا أفضل للجميع…
نعرف شيئاً واحداً يرضينا، أزيلوا القمامة من الشوارع وافرضوا ثقافة جديدة للتعاطي مع النفايات المنزلية، افرضوا علينا عملية فرز في منازلنا واخلقوا من تحت الارض معامل للنفايات، هذه من البدهيات، هذا ما تفعله أكثر الدول تخلّفا في العالم في حين نتغنى نحن بالارز والحضارة والانفتاح وما شابه من عبارات لكثرة ابتذالها فرغت من مضمونها الحقيقي.
ما يرضينا فعلاً أن تقوموا بواجباتكم كاملة ولستم مشكورين، ولا يجدر بنا أن نشكركم فهذا عملكم الذي تتقاضون عليه رواتب عالية وعالية جداً لا تستحقونها بالاصل، فكيف اذا اضفنا اليها ما تتقاضون من عمولات وأرباح لقاء الصفقات المشبوهة التي أوصلت البلاد الى ما وصلت عليه في كل شء وآخرها الزبالة؟
أتعمّد قول عبارة “الزبالة” لانها التوصيف الحقيقي لما هو عليه الوطن، الوطن يا عالم هذا الذي حملناه حلم العمر، شمعة الأيام، نضال حب زعل حرب تهجير استشهاد، استشهاد يا تجار الدماء والناس، مات شبابنا ليبقى هذا الوطن وطنا وحولتموه انتم الى منفى للجمال ومنفى النظافة ومنفى الكرامة… وطن تظنون انكم تملكون صك ملكية باسمه، تملكون مصيره وناسه وتتصرفون وكأن الخلود وحده لكم، فساد كثير يعم البلاد وفي الدوائر كافة، لكن ما حل في قضية القمامة جعل الوطن يطوف على فسادكم الفعلي، هذه الاكوام هي حقيقة لا تقبل جدلا عن وطن غارق غارق بالقذارات، وهذا ليس وطننا، انتم لستم الوطن، انتم طارئون عليه وانتم راحلون حتماً.
هذه ليست شوارعنا ولا هي حضارتنا، هذه شوارعكم وحضارتكم عندما يتحوّل الوطن الى صفقة، bravo نجحتم، جعلتموه صفقة فجعلنا أكياس قمامة مرمية على شوارع العالم وهو ينظر الينا وأنفه مسدود بقوة ويشير الينا بالاصابع “انظروا هذه روائح لبنان”.
أنظر الى شوارع وطني أرى نفسي كيس “زبالة” مرمي على باب مسؤول، السوكلين ليست لنا، نحن لسنا أنتم، نحن نحب أرضنا، نريدها نظيفة جميلة تشبهنا، مرآة عن حبنا لها، نحن استشهدنا لأجلها، ولذلك نعلن عدم انتمائنا اليكم ولا للوطن الذي تبنون، أقصد تدمّرون، ويوم ترحلون سيعود وطني برّاقا وتنظف الشوارع من بقاياها الكريهة…
