.jpg)
فيما بيروت محاصرة بدخان الحرائق، تحاصرها أبخرة النفايات المتخمرة والمتعفنة، وهي تنذر بكارثة بيئية وصحية مع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة الى مستويات قياسية، ثمة كارثة بيئية مستمرة بنتائجها المدمرة تطاول منطقة البقاع الأوسط، عبر مكب مشتعل منذ ثلاثين عاماً، لم تلحظه الدولة، ولم تبالِ بصحة المواطنين في القرى والبلدات المحيطة، وكأن الموت مشرع في المناطق البعيدة، وهذه إشكالية تستحضر إهمال الدولة تاريخيا للمناطق والأطراف. لا يعني ذلك أن ما يواجه العاصمة من أخطار لا يعتبر أولوية بما تمثل من رمزية وطنية كونها عاصمة جميع اللبنانيين، لكن لا يعني ذلك أن تكون المناطق، ولا سيما النائية منها غارقة في بحر من الحرمان والتجاهل. ففي جولة ميدانية لموقع greenarea، للبقاع الأوسط حيث السهول الخضراء المزدانة بمشاهد رائعة، في بلدة بر الياس، وقرب الطريق الوعرة التي تصل الى قرية الفاعور، نجد مكبا هائلا للنفايات يزيد عمره عن الثلاثين عاما، والنار مشتعلة على مدى أربع وعشرين ساعة. قرب هذا المكب تتنوع المزروعات من بطاطا وبصل وبرسيم وملفوف، لا بل وجدنا نباتات مزروعة حديثا وأشجارا مثمرة كالدراق وغيرها، فيما مصدر المياه لا يبعد أكثر من 300 مترا عن المكب، وهو عبارة عن نبع يروي السهل ويغذي القنوات التي تصل الى المكب وتتلوث بما ينتجه من غازات سامة وأبخرة ومخلفات عضوية وصلبة وكافة أنواع الملوثات.
.jpg)
عرب الفاعور
وسط هذا المشهد النافر، توجهنا إلى الناس لننقل معاناتهم وهم يعايشونها كل يوم من جراء هذا المكب – المحرقة. على الطريق الى السهل المجاور للمكب نلتقي بأحد النازحين السوريين ويدعى محمد العيد، يعمل على آلية زراعية، فقال: “أعمل هنا منذ سنتين وأعيش مع عائلتي في كوخ قريب من المكب وكان موجودا ولا أعلم منذ متى، وأعاني من التهاب في العين، بينما لا يمضي أسبوع إلا وأراجع المستوصف في كفر زبد لمعالجة أطفالي من الأمراض والإلتهابات الصدرية، عدا عن الحشرات ولسعاتها التي نعاني منها ولم يعد ينفع معها أي مبيد حشري”. وكانت لنا لقاءات مع عدد من المزارعين في سهل مجاور لزراعة البطاطا، ويقول عطية العيتاني “أعيش في قرية الفاعور وأنا من عرب الفاعور، وتأتي النفايات من كل بلدات المنطقة ولم يبق ذباب وبعوض إلا وتناوب على القرية، ونواجع لسعات البعوض السامة، عدا عن الأمراض الجلدية والصدرية المنتشرة ولا سيما الربو، فضلا عن الإلتهابات والأمراض المزمنة”. وقال: “على هذه الطريق الوعرة تمر الشاحنات من زحلة وجديتا وقب الياس وبر الياس وشتورا ودير زنون وكافة القرى لترمي نفاياتها، وليس ذلك فحسب، فصباحا ومساء تصلنا مع الهواء الروائح والأبخرة ونحن في منازلنا أو خلال عملنا في السهل، ونعاني من هذا المكب منذ اكثر من ثلاثين عاما، إلا أنه لم يكن في هذا الحجم وقد تم ضمان أرض مجاورة بمساحة إثني عشر دونما لاستيعاب النفايات الإضافية، وهناك معلومات عن إمكانية إحضار نفايات من بيروت والمناطق الى هذا المكان ايضا”.
.jpg)
إنتشار الأمراض
وشكا المزارع محمد العيس “قلة الانتاج”، ولفت إلى أن “الطقس والمناخ أثرا على المواسم، وكذلك الحال في الأدوية والأسمدة غير الفعالة التي تأتينا، فلا المبيدات نافعة ولا الأسمدة، وبخصوص الأدوية فتؤثر لبضعة أيام على الحشرات التي تهاجم النبتة، ونضطر لاستعمال المبيدات عدة مرات”. وتابع العيس: “في بلدة يبلغ عددها 15 ألف نسمة، عدا عن النازحين السوريين، لا نعاني من هذا المكب فحسب، بل أيضا ليس ثمة مدرسة واحدة لتعليم التلامذة، ونضطر لإرسال أولادنا إلى مدارس القرى والبلدات المجاورة على هذه الطريق الوعرة ووسط هذا الجو الموبوء، ولكننا نريد أطفالنا وأولادنا أن يكسبوا العلم، ونؤمن أن العلم سيغير حياتهم لتكون أفضل”. صباح عيد من بر الياس قالت “المكب موجود من اكثر من ثلاثين سنة، ونعاني من الحشرات، فضلا عن الأمراض، وخصوصا أمراض الجهاز التنفسي كوننا نعمل في الحقل المجاور ونتنشق الغازات السامة المنبعثة طوال اليوم من المكب”. أما اللبنانية مها الويس، فقالت: “لا نستطيع العمل في السهل من رائحة المكب، حتى أن كثيرين يرفضون العمل هنا، نتيجة الرائحة والغازات السامة”. وتساءلت الويس: “هل يقبل وزير أو أي مسؤول أن يوضع قرب منزله أو مكان عمله هذا المكب؟”. والتقينا خلال الزيارة بالراعي خالد عيتاني، وكان يسوق قطيعه في السهل مرورا بالمكب، وبعض رؤوس الماعز تلتهم الفضلات وأكياس النايلون من المكب وتشرب المياه من قناتين تمتدان قرب المكب على جانبي الطريق، فقال: “أعيش في الفاعور وأبلغ من العمر 28 عاما، والمكب موجود قبل أن أولد، إلا أنه لم يكن بهذه الضخامة”.
.jpg)
بلدية بر الياس
وفي حديث لـ greenarea مع رئيس بلدية بر الياس سعد الدين ميتا فقال: “هذا المكب العشوائي قديم، ونحاول حل مشكلته، فالوضع لا يحتمل وخصوصا انه يحترق بشكل دائم ويبعث الغازات السامة في الجو، وكذلك الحال في مطمر زحلة القانوني الذي يحترق بشكل دائم أيضا”، وأشار إلى أنه “وبالتعاون مع بلديتي المرج وقب الياس، ومن خلال هبة من الإتحاد الأوروبي وخلال عام ونصف العام، سننتهي من بناء معمل متكامل للفرز بالطرق الحديثة”. وأعرب عن أسفه من “تجاهل المسؤولين في بيروت لمعاناة أهل البقاع من المشكلة الأكبر وهي مشكلة الليطاني وحاليا مشكلة النفايات”، وقال: “لدينا اجتماع في بيروت بخصوص هذه المشكلة، وشخصيا متردد في حضوره كوننا حاولنا مع بلديات المنطقة ومصلحة نهر الليطاني معالجة مشكلة تلوث نهر الليطاني، وحولت القضية الى مجلس الوزراء، ولكن دون فائدة، والملفات وضعت في أدراج المسؤولين ودون تحقيق أي شيء ولو بسيط على الأرض”. وأشار ميتا إلى أن “الأراضي الزراعية حول نهر الليطاني بما تحمله من تلوث وأمراض مميتة وحشرات وروائح ومياه آسنة تدخل بيوتنا من خلال الخضروات والمحاصيل الزراعية وتصل إلى موائدنا وموائد أهلنا في بيروت”. وتمنى أن “تكون هذه الملفات من بين أولويات المسؤولين من هذا المكب إلى تلوث نهر الليطاني”. وختم ميتا “بالنسبة لموضوع المكب، فلا صحة حول ضمان أرض مساحتها 12 دونماً لاستيعاب نفايات إضافية من أي منطقة أخرى، إن كان من جبل لبنان أو بيروت، فالموضوع بالنسبة لبلديات المنطقة محسوم، ولا مساومة فيه، مع رفض قاطع لوضع أية نفايات من خارج المنطقة”. بعد الزيارة القصيرة، لمسنا في greenarea معاناة أهلنا في البقاع، فالروائح والأبخرة سببت لنا صداعا، وألما في الحلق، رغم قصر الفترة التي قضيناها بينهم.