
نشر تنظيم “جبهة النصرة” يوم الأحد، شريط فيديو يؤكد فيه قيامه هذا الاسبوع بخطف 54 عنصراً من الفرقة 30 من الذين تلقوا تدريبات عسكرية في تركيا في إطار البرنامج الأميركي لتدريب المعارضة المعتدلة. وخطفت جبهة النصرة ثمانية عناصر من الفرقة 30 مساء الأربعاء قرب مدينة أعزاز في ريف حلب الشمالي، حسب ما ذكر المرصد السوري لحقوق الانسان والفرقة نفسها.
إن النصرة ليست أقوى الجماعات المسلحة التي تقاتل نظام بشّار الأسد، لكنها حتماً أكثرها غموضاً، وبلغ غموض “النصرة” ذروته في الأسابيع الأخيرة. ففي آخر شهر أيار أقسم قائدها “أبو محمد الجولاني”، في مقابلة طويلة مع قناة “الجزيرة” القطرية، أنه لا ينبغي للأقليات الدينية في سوريا أن تخشى من حركته.
وإذا ما صدّقنا معلومات “الجزيرة”، فإن “الجولاني”، وإسمه الحقيقي “أسامة العبسي الوحيدي”، من منطقة “دير الزور” في شرق سوريا، ومن مواليد ١٩٨١. وقد خضع لتدريب جهادي تقليدي، وأقام في العراق مع جماعة “أبو مصعب الزرقاوي”، ثم في لبنان بعد ٢٠٠٥ بصفة مدرِّب لجماعة “جُند الشام”، ثم سجنه الأميركيون في معسكر “بوكا” في جنوب العراق، حيث كان زعيم “الدولة الإسلامية”، “أبو بكر البغدادي”، مسجوناً هو الآخر.
ورغم هذا السجل الجهادي الحافل، فقد حرص “الجولاني”، في مقابلته مع “الجزيرة”، على إعطاء تصريحات مطمئنة مؤكداً أن جماعته “لا تقاتل سوى من يقاتلها”. وبالنسبة للعلويين، فقد وعد بحمايتهم “إذا تخلوا عن دينهم وعن بشار الأسد”. ووعد بألا يهاجم الغرب، مركّزاً على أن أوامر أيمن الظواهري له كانت العمل للإطاحة بنظام دمشق.
والواقع إن “النصرة”، إبان خريف ٢٠١٤ وشتاء ٢٠١٥، قامت باستئصال جماعتين مرتبطتين بـ”الجيش السوري الحر”، أي الفرع المعتدل للثورة الذي تسلّحه أميركا والسعودية. وفي منطقة “إدلب” بدأ أعضاء “النصرة” في فرض “الشريعة” على الناس بالقوة، وأجبروا المخازن على الإقفال في أوقات الصلاة، وأخذوا يتعقبّون المتّهمين بالزنى. واعتبر المراقبون في حينه أن ذلك التصلّب كان مقدمة لإعلان “إمارة النصرة” في شمال سوريا، وردّاً على إعلان البغدادي على إحياء “الخلافة الإسلامية”.
لكن الخط الجديد لـ”النصرة”، الناجم عن التأثير القطري المُلطِّف، يركّز على العمل الجماعي. ومقابل الإستيلاء على السلطة من فوق، كما فعلت “الدولة الإسلامية”، فإن “النصرة” تستخدم تكتيك السيطرة من تحت، وهو أكثر دهاءً وأكثر بطئاً. ويعتبر الباحث “تشارلز ليستر” أن “الدولة الإسلامية” تريد كل شيء فوراً، في حين أن “النصرة” أكثر صبراً. وقد نَفَعها هذا التكتيك حتى الآن. وبفضل مهارتها في استخدام الإنترنيت، فقد استحوذت على المجد الإعلامي للإنتصارات التي أحرزها “جيش الفتح”، مع أن جماعة “أحرار الشام” شاركت بعدد أكبر من المقاتلين في بعض العمليات العسكرية.
إن تفكير جماعة “النصرة” لا يختلف عن تفكير “الدولة الإسلامية”. والفارق بينهما تكتيكي فحسب. يكفي أن تتعرّض الحملات العسكرية ضد قوات النظام لمصاعب لكي تبرز الخلافات بين الجماعات المسلحة مجدداً وتتحوّل إلى صدامات مسلحة. بل ويمكن في هذه الحالات أن ينضمّ رجال “النصرة” إلى “الدولة الإسلامية”.
إدراكاً منهم لهذا الخطر، تعمل الدول السنّية الداعمة للثورة على خطة بديلة، فحواها إبراز “جيش الإسلام”، وهو أقوى جماعة مسلحة في ضاحية دمشق. وقد شوهد زعيمه “زهران علوش” في مطلع حزيران في اسطنبول وعمّان. ويُقال إن هناك تقارباً مستجداً بين “جيش الإسلام” وقوات “جبهة الجنوب”، وهي ائتلاف لكتائب تابعة للجيش الحر ينشط في منطقة “درعا”. إن “علّوش”، وهو سلفي معلَن، ليس ديمقراطياً. ولكن، في حال انهيار النظام، فإنه يمكن أن يكون أحد القادة العسكريين القلائل القادرين على الحؤول دون وصول “القاعدة” أو “الدولة الإسلامية” إلى دمشق.