
“وتـ تحمي هالوطن لازم تعلّيه جابولو ألف هم والف علّة، وعلى جبالك علم لبنان علّيه وغمّق شلش أرزك بالتراب”… وكانت الشلوش فوق تسكر، ليس شعراً، هذا ما حصل. لوقت ما وقف الزمان في عرس الارز، كان عرساً، لا تتكلموا نقداً فنياً، ولا فنانين ولا مغنين أو موسيقيين، كان الوقت قصيدة والحضور أبيات الشعر والارز الالياذة، والموسيقى كمن يقف على سحر الشفق، يترنح على وتر، أحياناً يستكين وفي اخرى يُجن. وعندما يفعل، يتحول المسرح خليط الوان، جنون اضاءة وتتشابك أنوار الأرض مع ذاك المشع المتصدّر روح السماء، فيطلّ بشعاعه من بين الارزات “أنا هنا”، ولا يلبث أن يغسل القمر وجهه مسرعاً، لم ينتبه “الأزعر”، طلع عليه الصباح وهو يتغاوى فوق أغصان السحر…لم يكن هذا مهرجان الارز الدولي، كانت لعبة الحياة حين تعلن الثورة.

ثمة سحر ما حصل ويحصل فوق، كان الحضور مكتملاً، القمر البدر قنديل السهر فوق، وكان كل الأرز، كانت لعبة تواطؤ مفتوحة ومعلنة، تواطأت الطبيعة مع الموسيقى، وتواطأ الموسيقيون مع الناس، وتواطأ الناس مع النغمة، وتواطأت النغمات مع لغة الاجساد المتمايلة، وتواطأ الأرز مع الالحان والاضاءة والتقنيات العالية ليحوّل الناس الى كتلة مشاعر من الفرح والانبهار، وليتحوّل المكان الى ما يشبه بيتاً فسيحاً تلاقت فيها القلوب لتصنع ليلة استثنائية من ليالي مهرجان الارز، انسحبت على الليلة التي تلت وواضح ان لعبة التواطؤ هذه مستمرة حتى نهاية الاسبوع المقبل، مع اسدال الستارة على آخر الليالي، وبالتأكيد لن تسدل الستارة ولا ستارة هناك اساسا لتسدل، ليس هناك سوى مسرح حياة يرقص تحت الاضواء.
لن أتحدث عن ميشال فاضل ذاك الموسيقي الرائع المبدع وحوار الأنامل مع البيانو، ولا عن اليسا بثوبها الزهري المنهمر حريراً من عهد الرومان، حبيبة القلب تلك المتدثرة علم وطنها فعلاً وليس قولاً، الفائقة الاحساس الجميلة الحضور رسولة الرقة والرومانسية والشفافية والعفوية النادرة بين الفنانين، ولا عن وائل كفوري…وائل كفوري ماذا يقال عن الصوت؟ عن لبنان يتدحرج جبلاً سهلاً نهراً سنابل حب ووطن بحاله في حنجرة؟ وائل كفوري الزحلاوي اللبناني المدمن طرباً الذي أشعل المدارج، أخرج سمير جعجع من كرسيه جعله يدبك علّ خبطة الاقدام الهدارة ترجع له ولنا لبناننا. وائل كفوري وجيشه ووطنه المتدثر دفئا وكرامة في صوته النادر؟ لا كلام أكثر عن وائل لن يكفي كل ما يكتب.

لن أتحدّث عن اللوحة التراثية التكريمية لعباقرة لبنانيين راحلون في الأدب والفن التي افتتح بها المهرجان، سأقف تحت الارزة المفترضة التي انفلشت فجأة في قلب المسرح، بدت لوهلة من دخان، ثم بدأت فروعها تتمدد، كبرت اخضرّت امتدت شلوشها في عمق المسرح وصارت أرزة عملاقة تحت أرزة المسرح مباشرة واندلعت من خلفها الانارة، على المسرح هي أرزة بصرية مفترضة، ولكنها في عمق الغابة في عمق شلوشها في جذور لبنان هي الارزة الفعلية، أوقفوني هناك، أوقفوا المشهد وليتجمّد في اللحظة لينسحب على كل لحظات ومساحات الوطن، هذه كانت وطن الارز الفعلي، كانت تاريخه وعمره وجذوره، انسوا الآن والماضي القريب جداً وبكراً الداهم، كانت لحظة الوطن الفعلي في اشتعال تلك الصورة، يا الله كم نحن تعساء، يا الله كم نحن مساكين، نلجأ الى الصورة المفترضة لان صورة الوطن صارت أبشع من أي واقع كان ممكنا أن نتخيّله، أوقفوني هناك تحت تلك الارزة المفترضة ولينهمر مهرجان الارز من هناك وطنا آخر، أخضر نظيف عميق تراثي شفاف نبيل، وطن ثقافة فنون علم ديمقراطية، وطن الانسان…
لن أتحدث عن التنظيم الفائق الدقّة والصبايا والشباب والورد والاستقبال الرائع، ولا عن تلك النائبة النحلة التي زرعت قضاء بشري من عطر انمائها ونشاطها الاستثنائي ونهضتها ورقيّها وتواضعها بين أبناء منطقتها لتتماهى معهم في ازدهار بلداتهم، ولتحوّل مفهوم النيابة الى ورشة عمل ومشاركة بين الفاعليات كافة وليس مجرد استئثار بالسلطة وما شابه، تلك الصبية التي أدخلتها صربتها واصرارها الى أبعد من حدود بشري بكثير حين أصرّت أن تجعل من المهرجان واحة فنون دولية في مهلة زمنية قياسية لم تتجاوز الاشهر الاربعة، وفي تقنيات تحتاج على الاقل لثمانية شهور، ولن أتحدث عن نظافة قرى وبلدات القضاء التي تبدو من غير كوكب لبنان العائم على القمامة…
ولكن سأتحدث عن سمير جعجع أولاً وآخراً، أقول له بالمختصر المفيد، يا رجل أنهكتنا، نحن نصنّف من ناسك، لكن نحن ناسك الاوفياء وما شابه، لا نستطيع حتى الساعة أن نجاري ولو واحداً في المئة مما يغزل في الفكر المتّقد ذاك، لا في السياسة ولا في تلك الانسانية العميقة التي تقارب الناس في مشاعرها كافة. في السياسة كما في الثقافة كما في الانماء كما في شؤون الحزب، أصريت أن يعود مهرجان الارز وعاد من غياب خمسين، دولياً عريقاً متقداً مبهراً خلاقاً، هو صورة عنك في كل شيء، هنا أعود للارزة المفترضة اياها، في مكان ما تشبهك، فيها قيامة من روح المسيح، هي ارز الرب طبعاً، فيها رجاء من رجائه، وأنت في صلب هذا الضوء تستمد الرجاء من الهك، من تحت الظلام عدت الى عمق الضوء، هذا عمق الايمان فيك، شلوش الارز…
تعود من المهرجان وكيف تعود؟ ليس برنامجاً فنياً دولياً غير مألوف، ليس هنا المقصود ولا هو الهدف، كان الهدف أن تتقد الارزة، والوطن أرزة، رسالة الرب للبنان، وصلت الرسالة، لا حصار القمامة ولا أوساخ السياسة، ولا قذارة الاحتلالات، ولا تهديد السلاح قادر أن يطفىء ذاك النور السماوي، أرز الرب مفلوش على كفيه والخلود قدر لبنان، ليس عليكم الا ان تفهموا رسالة الارز ويكفي…
