#adsense

سجون وساحات – بيار جرمانوس: اخترنا المستحيل وربحنا التحدي

حجم الخط

كتبت أوغيت سلامة في مجلة “المسيرة” – العدد 1441:

اليوم، يعمل كدليل سياحي في وادي قنوبين بعدما صار هو والوادي صديقين في السراء والضراء، أيام العزّ كما أيام الإضطهاد. يعتبر أن الرب زرعه فوق ليؤدي رسالة ما بعدما ترك دراسة التاريخ وتفرّغ لقضية المطالبة بانهاء اعتقال الدكتور سمير جعجع لأنه إعتبرها القضية الأهم في سلّم أولوياته، ولأن الملاحقات الأمنية له ولرفاقه لم تترك له وقتًا للجامعة، لنفسه ولمستقبله. طيلة سنوات الإعتقال كان كالبركان المتفجّر لا يهدأ لا يكنّ حتى بات “رأسه مطلوبًا” من قبل سلطة الوصاية آنذاك مع كثر من شباب بشري غيره الذين “دوّخوا” القوى الأمنية و”جنّنوها” لشدّة عنادهم وصلابتهم ومقاومتهم لمشروع الترهيب والتدجين الذي سقط فيه لبنان بالضربة القاضية عندما إعتقلوا الدكتور سمير جعجع وأسكنوه تحت “سابع أرض” علّه يرضخ كما فعل غيره.

بيار جرمانوس من شباب بشري الذين آمنوا بالمقاومة المسيحية وبقائدها رمزهم للبطولة والعنفوان يروي لـ “المسيرة”، كيف بقي لسنوات طويلة ثورة تمشي على قدمين من بشري الى بيروت وتزعج الأجهزة المخابراتية وترهقها، بل كيف كان يفكر مع رفاقه، والقيم المسيحية والوطنية التي كانت تحرّكهم وما زالت تجّذرهم عند أقدام أرز الرب وفي واديه الخاص بالقديسين.

يستهل بيار شهادته مشدّدًا “جئت لأعطي شهادة ليسوع المسيح ولأتكلم أبعد من قواتيتي بل لكلمة الله الذي تجسّد من أجل خلاصنا. بالنسبة لي أنا أسعى لأستحق أن أدعى تلميذًا ليسوع المسيح لأن المسيحية ليست هوية أو إنتماء وليست وطنًا ولا حزبًا ولا “قوات” او “كتائب” او “أحرار”… وبدورها “القوات” كروحية هي تجسيد مرحلة لمعطى تاريخي حضاري نضالي عمره مئات السنين يرتكز على نضال شعب ومعاناة بدأت مع مجيء يسوع وتجسدّه.

ضمن السياق الذي تربيت فيه حيث كان بيتنا كأنه كنيسة ومدرستي في بشري وبيئتي المسيحية الملتزمة كان من الطبيعي أن أتأثر بهذا الجو النضالي. أبي مثلا كان من قدامى “حزب الكتائب” ثم التحق بصفوف “القوات اللبنانية” وأصيب في العام 1976 في الكورة. وفي العام 1986 اعتقلته المخابرات السورية مع رفيقه أنطوان جعجع حتى خلّصهما الرب بأعجوبة قبل أن يساقا الى سوريا بفضل تدخّل قيادات فاعلة آنذاك. عودة أبي مع جسد متفحّم من الضرب واللكم والرفس… ربما هي التي أدّت الى إصابته بقصور في الكلى، بالاضافة الى الشهداء من أبناء بشري… كلها عوامل ربما دفعتني للإيمان بأن هناك ظلمًا يلحق بمجموعة لبنانية دون غيرها وهي مسيحية. عشت هذا الوجع منذ صغري وانا أرى لهفة أمي على أبي المقاوم مع رفاقه، كل ذلك حفر فيّ، وإعتبرت نفسي أنني كتائبي وقواتي من لحظة ولادتي. وكما جذبني الرب الى الكنيسة، كان ينمو فيّ معطى وطني وانجذاب لمن يجسّد المقاومة كي يبقى هذا الوطن.

كنا طلاب “القوات” في بشري، وفي عزّ الإحتلال نجهد لتفعيل نشاطات ثقافية وإجتماعية وإنمائية… فقط كي نُثبت أن شعلة المقاومة في بشري مضاءة وأنها عرين المقاومة المسيحية. وكنا نتنقل بين بشري وبيروت عبر الجرد من تنورين الى بقاعكفرا وحصرون والعكس. وكنا قد التحقنا بمعهد الإعداد الفكري في “القوات” الى جانب بعض المهمات العسكرية التي نكلّف بها ما أدخلنا ضمن دائرة الصراع مع المخابرات السورية في المنطقة كما آبائنا …

فجأة وفي العام 1990 وفيما نحن نعتبر ان “القوات اللبنانية” هي الحل الوحيد على صعيد القيم والتراث والمبادئ والبنية المسيحية وجدنا انها تواجه ازمات خطيرة تهدّد كيانها ووجودها، وأمام واقع احتلال سوري جديد كانت مقاومته شبه مستحيلة. إلا أننا “نحن” إخترنا المستحيل. نحن، أي كل شاب ثائر ومتمرّد ومخلوق على صورة الله ومثاله. فالمسيح خلقنا أحرارًا بقوته ونموت ونحيا بالمسيح، وكما يقول مار بولس “الموت ربح لي وعبور لحياة أحلى مع المسيح”.

ازاء هذا الواقع الذي بدأ منذ التسعينات بالاغتيالات والاعتقالات والتدمير المنهجي لكل ما هو دولة لبنانية وأحزاب لبنانية، المسيحية منها خصوصًا، وتعرّض كل قياداتها إما للنفي أو للاعتقال، واجبار قيادات أخرى على مواقف لا تشرفها … أدركنا ان الهدف ضرب المقاومة المسيحية التي كانت تجسّدها “القوات اللبنانية” آنذاك. هنا كان كل شاب منا أمام ضميره؛ إما أن نواجه او نمرّر المرحلة. فاخترنا أن نواجه. وللحقيقة والتاريخ، عندما حوصر الدكتور سمير جعجع في غدراس هناك من أعتبرُهُم كرسل المسيح بقيوا واقفين مع أنني لا اقبل بتوجيه اللوم لأي كان في تلك المرحلة، فإذا لم يقف معنا لربما كان مطلوب منه ان يؤدي دورًا آخر. مار بطرس وباقي التلامذة خافوا أمام العاصفة! بالروح القدس يمكن ان نواجه، وهو القوة الكامنة فينا فعلا وليس لا الدبابة ولا المدفع.

يدخل بيار في التفاصيل التي حاول الهروب منها لأنها “تفاصيل” وهو يهتم للجوهر. يُكمل روايته، “كنا انا ورفيقي جوني الزين في غدراس نحاول مع مجموعة من الرفاق أمثال جو فخري وجوني نُظُم رحمة ورينيه فخري ومطانوس الهندي وإخوته وكثر من الجنود المجهولين واعتذر من باقي الشباب لأنني لا يمكن ان أذكر الجميع، كان علينا أن نتّخذ بعض الخيارات الصعبة فقرّرنا التمرّد على دولة الوصاية آنذاك مثل رفض الخضوع لأوامر إستدعائنا للتحقيق والتوقيع على وثيقة الخضوع في مركز القبّة في طرابلس. وانا أشكر الله على هؤلاء الشباب الذين شكلوا بصدورهم حاجزًا ضد المؤامرة ولم يتركوا مجالا لأن يبقى مكان لا يطاله منشور أو يصل اليه الصوت الذي لا تنقله الوسائل الاعلامية، الصوت المسيحي الذي كان يتردّد من بيروت الى القرى الى البلدات في كل لبنان عبر شباب “القوات” اللبنانية ينادي أولا باطلاق الدكتور سمير جعجع من معتقله، ثانيًا الإنسحاب السوري من لبنان وعودة المنفيين، كل المنفيين عناصر أو مسؤولين او زعامات…

لم نترك وسيلة الا واعتمدناها لإيصال القضية المسيحية ولتبقى شُعلة المقاومة اللبنانية و”القوات اللبنانية” مضاءة في ذاك الزمن الذي كان ممنوع الكلام عن “القوات اللبنانية” او سمير جعجع او بشير الجميل حتى او دوري شمعون وأمين الجميل أو أي صوت مسيحي… كان هذا هو التحدّي وكسرناه مع كل ما كلّف من تضحيات ودم وعرق ومعاناة، وأثبتنا أن المُحتل السوري والدول الكبرى معه التي غطّته وكلفته بملف لبنان، أثبتنا للعالم كله أننا أمّة لا يموت ميتها، أمة لا تنتهي إذا نُفي لها زعيم أو أعتقل قائد أو إستشهد لها كبار… وإلا فلسنا مسيحيين. برأيي بهذا الإيمان تمكنت “القوات اللبنانية” من الاستمرار.

بعض شبابنا لوحقوا لسنوات لا لأنهم خارجين عن القانون لا سمح الله، أو لأسباب سياسية او أمنية حتى، بعض الأشخاص تمت ملاحقتهم لأنهم أحرار ومصرّون على العيش بكرامة، وباتت الأجهزة الأمنية آنذاك في مواجهة شرسة معهم لكسر رؤوسهم وعزيمتهم على مقاومة المخرز بالعين المجردة.

هنا أستشهد بواقعة، يوم توجهنا للقاء غبطة البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير في تموز العام 1995، كنا نحو 300 شخص وعلى رغم الحواجز والعوائق دخلنا الى الديمان وشاركنا في القداس الإلهي ومن بعدها كان لي شرف نصّ والقاء كلمة الوفد التي ضمّنتها كل الوجدان المسيحي من 1400 عام وحتى اليوم. حينها ردّ غبطته بموقف رائع يعبّر للمرة الأولى عن تعاطف واحتضان لقضيتنا، أي قضية اعتقال الدكتور سمير جعجع.

على أثر هذا اللقاء أقامت السلطات الأمنية حواجز مُحكمة تمكنا أنا ومجموعة كبيرة من الشباب من الإفلات منها والعودة الى بشرّي عبر الأحراج. بعدها تجنبنا اللقاءات العلنية ونصحني بعض الرفاق بالتواري لفترة ريثما تكون قد هدأت الأمور وخفّت الضغوط عن بشرّي”.

لأشهر لا بل لسنوات بقي مطاردًا مع مجموعة من “الثائرين” مثله وكان وادي قنوبين بطبيعته الصعبة ملجأ وحصنًا له ولرفاقه. يكمل بيار “كنت أنام كل ليلة في بيت من بيوت البلدة وعندما أعود الى البيت أتسلّل من الأحراج كي لا تراني الدوريات التي لا تبارح مراقبة ورصد الداخل والخارج من منزلي.

أشكر الرب أنني قمت بما كان يجب أن أقوم به بقوة الروح القدس، الى أن إحتفلنا بيوم النصر المهيب وتحرّر الدكتور جعجع وتحرّرنا معه.

معاناة شباب بشري والملاحقات التي تعرضوا لها نشكر الله أنها كانت محض سياسية ونضالاتهم كانت نضالات قديسين وأبطال، لأنهم عاشوا التجربة بايمان وفرح لتبقى كلمة الحق والحقيقة.

اصعب السنين التي عشناها كانت من العام 1994 الى 1998، سنوات رعب عاشت خلالها بشري جحيمًا وزلزالًا، حتى جاءت زيارة البابا يوحنا بولس الثاني الى لبنان وبدأت قوة الشرّ تنكسر تدريجيًا. العام 2000 وبعد ان توفي الرئيس السوري حافظ الأسد بدأنا نشعر بقليل من الحرية لا سيما مع بروز أسماء قواتية عدة في العمل السياسي حينها وربما كان المغزى من ذلك إحداث صدامات داخلية تنهي المقاومة و”القوات” من الداخل بعدما عجزوا عن إنهائها من الخارج.

تخيلي أن مسيرة صلاة على نية سمير جعجع كانت تنتهي بالمشاركين فيها إما في مركز الحدث او في مركز القبة، ومن لا يلتزم ويحضر الى التحقيق يلاحق. انا لم أخضع، وكنت في كل مرة أتمرّد وأعتبر أن ما من مذكرة توقيف في حقي، لذا لن أذعن لهم”.

مع بداية المحاكمات في تشرين الثاني 1994 يومها بدأت ثورته المعلنة كما يقول “مع مجموعة ابطال وقفت امام قصر العدل فيما كان الوقوف هناك مستحيلا حيث حصلت مواجهات مع القوى الأمنية. وبعد ثمانية أشهر من الملاحقة كنت في الأرز أحاول تدريب بعض التلامذة على التزلج لأحصّل مصروفي، حين كمَنت لي قوة أمنية لإعتقالي فهربت منها بأعجوبة تحت وابل الرصاص فوق رأسي، لكني حوصرت بعدها، وتفاديًا لمجزرة بسبب زحمة السير والناس وإطلاق النار المجنون وقعت في قبضتهم وبدأ مشوار جديد من مركز الحدث حيث حاول ضابط إقناعي بالتوقيع على عدم التعاطي بالسياسة لكنني رفضت وبقيت مُصرًّا فأنزلوني الى مركز القبّة حيث كانوا في انتظار التعرف على الشهير بيار جرمانوس!! أوقفت هناك لمدة يومين مع توابعها من الضرب والتعذيب وكانوا سيحولونني على المحكمة العسكرية إلا أن التدخلات السياسية من قبل زعامات في البلدة حالت دون ذلك”.

الولوج الى ذاكرة بيار صعب كأنه أقفل على الأحداث فيها وختم تلك الحقبة من نضاله بالشمع الأحمر، إلا أنه يروي عن اللحظة التي أوصاه فيها الدكتور جعجع بالمهمة الأصعب، “في إحدى الليالي كنا في غدراس أنا وريمون الزين فناداني رفيق الزين وجورج مسعود وقالا لي “الحكيم عايزك”. توجهت اليه فورًا، قال لحظتها “ليك يا بيار أنا رايح عالحبس، ما بدي منكن شي، بس بدي تعملوا بكركي مزار ت كنت طلعت”. وكان علينا أنا وجو فخري أن نذهب الى بشري ونُطلع إيلي كيروز والشباب وأعيان البلدة مثل المرحوم فايز كيروز وجميل سابا جعجع وكرم كيروز على رسالة منه تختصر توصياته لمواجهة الموقف. إنطلقنا من عنده وبعد 10 دقائق وصلت القوة الأمنية التي إعتقلته”.

بيار جرمانوس أتعب الأجهزة المخابراتية فأوقفت والده لإستدراجه ولم يرضخ، يتابع “فلحوا بيوتنا فلاحة إنتقامًا لأنهم لم يتمكنوا من إعتقالنا بعد مطاردات عدة من ساحة البلدة الى الشير، ولمرات عدة ولم ينجحوا”.لم يردعه التهديد بمعتقل عنجر ولا أخافه الموت الذي يتربص به مع كل “شرقة شمس”… ولا إستطاع سلاح من أسلحة المحتل السوري وأدواته أن يزعزع إيمانه ويُبعده عن القضية وعن ضميرها السجين في وزارة الدفاع. سرّ هذا الإصرار يختصره هو بكلمتين: “يسوع المسيح”.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل