
لأن الدستور هو الحكم الفاصل في عمل السلطات، ولأن الدستور هو المرجع الاول والأخير الذي لا يحق لاحد القفز فوقه، ولأن الدستور هو الكتاب الوحيد الذي ينبغي على السلطات كافة الامتثال له، نرى أن ما يحكى منذ مدة عن تحديد الية عمل مجلس الوزراء هرطقة دستورية لاسباب عدة أهمها :
أولاً: إن أي آلية لعمل مجلس الوزراء لملىء الفراغ الرئاسي يتنافى مع احكام الفقرة (ه) من مقدمة الدستور التي نصت على قيام النظام على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها، فهذا النص واضح تمام الوضوح في اعتناقه القاعدة الدستورية الأممية منذ المفكر الدستوري “مونتسكيو”، تلك القاعدة التي لا تقبل بأن تمتص سلطة، سلطة أخرى أو تحل واحدة محل الأخرى، فلكل سلطة كيانها ودورها وهي تتعاون فيما بينها ولكنها تبقى منفصلة عن بعضها لا دمج ولا اختلاط ولا ابتلاع بينها.
ثانياً: إن الكلام عن آليات عمل حكومي تمارس صلاحيات رئيس الجمهورية هو عين الهرطقة الدستورية، ذلك أن السلطة الاجرائية مناطة بموجب المادة (65) من الدستور بمجلس الوزراء، وبما أن رئيس مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة وفقا للمادة (64) من الدستور وهو المسؤول عن تنفيذ السياسة العامة التي يضعها مجلس الوزراء، فإن كل مقومات السلطة الاجرائية محصورة دستورياً بمجلس الوزراء ورئيسه، ما يعني أن ما من سلطة إجرائية خارج مجلس الوزراء ورئيس السلطة الاجرائية هو رئيس الحكومة .
أما رئاسة الجمهورية فانها سلطة منفصلة عن السلطة الاجرائية وهي ليست بالتالي سلطة اجرائية: يكفي أن نشير الى المادة (60) التي تعفي الرئيس من التبعة حال قيامه بوظيفته… تلك التبعة التي لا تتحملها الا الحكومة البرلمانية المسؤولة أمام الشعب من خلال مجلس النواب، وحتى عندما يحضر رئيس الجمهورية مجلس الوزراء يترأس المجلس من دون المشاركة في التصويت، لأن المشاركة في التصويت لو تمت تجعل من رئيس الجمهورية جزءًا من السلطة التقريرية أي الإجرائية المتمثلة بمجلس الوزراء، ما يعني أن رئيس الجمهورية كيان دستوري قائم بذاته منفصل عن السلطة الاجرائية .
ثالثاً: اذا كان النص الدستوري في المادة ( 62) قد أناط وكالة بمجلس الوزراء صلاحيات رئيس الجمهورية في حال خلو سدة الرئاسة، فهذا لا يعني اولاً استبدال سلطة بسلطة او امتصاص سلطة من سلطة اخرى، بل هو فقط تدبير وقتي ضروري لتأمين سير المؤسسات العامة والمرافق الدستورية ولا يعني ثانياً أن يصبح مجلس الوزراء مختصراً لصلاحيات رئيس جمهورية الذي يشكل دستورياً سلطة منفصلة عن السلطة الاجرائية .
فضلاً عن أن التدبير الوقتي المشار اليه وكالة ربط دستورياً بالمادتين (74) و(75) من الدستور اللتين تحثان على الشروع فوراً في انتخاب رئيس اذا خلت سدة الرئاسة لاي سبب، ما يثبت حقيقة نية الشارع الدستوري في عدم اعتبار الوكالة المناطة بمجلس الوزراء وكالة دائمة بل موقتة لا يجوز ولا يصح دستورياً ان يبنى عليها على أنها وضع مستقر ودائم، فاجتماع مجلس النواب فوراً لانتخاب رئيس للجمهورية وتحويل المجلس الى مجرد هيئة انتخابية والشروع حالاً في انتخاب رئيس للجمهورية “من دون مناقشة أي عمل آخر” … لدليل قاطع لا يقبل لا اجتهاد ولا جدل ولا تفسير، في كون التوكيل المناط بمجلس الوزراء استئناء قصير الامد وليس قاعدة دائمة… فلا يبنى على ما هو موقت قاعدة دائمة لان في ذلك خرق لفصل السلطات واسقاط لمؤسسة دستورية مكرسة شرعياً ودستورياً في النصوص وفي صلب النظام .
رابعاً: إن صلاحيات وآليات عمل مجلس الوزراء كسلطة إجرائية مثبتة في الدستور (المادة 65) وفي النظام الداخلي لمجلس الوزراء، وصلاحيات وآليات عمل رئيس الجمهورية مثبتة بالدستور ( 53) وسواها من نصوص مواد الدستور، وبالتالي هرطقة دستورية خطيرة وخرق للنظام الدستوري وتوازن السلطات وفصلها عن بعضها، أن يسعى البعض الى تعديل غير مباشر ومبطن للنصوص الدستورية لتذويب صلاحيات دستورية لسلطة أو كيان رئاسة الجمهورية في جسم سلطة اخرى منفصلة لا تمت بصلة اليها، بل تضخم صلاحياتها بما يتجاوز دور سلطة على حساب اخرى، في وقت المطلوب تعاون بين السلطات لا اندماجها واستيعاب واحدة في اخرى .
لذلك فاننا نعتبر أن أي بحث أو طرح لآليات عمل الحكومة طرح ساقط وغير دستوري وغير شرعي وغير قانوني وهو مخالفة واضحة للدستور، وخرق الدستور جرم، والحل الوحيد هو انتخاب رئيس للجمهورية فوراً، والالتزام بنصوص الدستور في اتخاذ القرارات من داخل مجلس الوزراء وفقاً لآليات وحيدة منصوص عليها في المادة (65) من الدستور .
