#adsense

افتتاح “قناة السويس الجديدة” حدث كبير، ولكن!

حجم الخط

في السابع عشر من تشرين الثاني 1869، كانت مصر على موعد تاريخي غيّر جيوسياسة بلاد الفراعنة والعالم. إنه يوم افتتاح قناة السويس. واليوم، في السادس من آب 2015، ها هي على موعد مع حفل افتتاح «القناة الجديدة» الذي تريده القيادة المصرية تاريخياً ايضاً. لذلك وجّهت الدعوات الى دول العالم أجمع باستثناء أربع إقليمية: ايران وتركيا وسوريا واسرائيل. وبرغم تأكيد العديد من رؤساء الدول حضورهم الشخصي، لا نعتقد بأن الافتتاح الثاني سيكون بأهمية الأول بسبب التفاوت في الأهمية الجيوسياسية بين الحدثين والاختلاف في الظروف السياسية والاقتصادية المصرية. منذ قرن ونصف القرن كان حفر قناة السويس (الذي استغرق عشرة أعوام) حدثاً جيوسياسياً تخطى بأهميته الجغرافيا المصرية الى العالم بأسره. فالقناة أحدثت تطوّراً كبيراً في حركة التجارة العالمية التي كانت تشهد ازدهاراً غير مسبوق بسبب الثورة الصناعية. وقرّبت المسافات بين شرق الكرة الأرضية وغربها، اي بين مصادر المواد الاولية (بخاصة في الهند) وقلب الثورة الصناعية في اوروبا، وبين المصانع الأوروبية وأسواق تصريف الإنتاج في المستعمرات الآسيوية والافريقية. فأصبحت معبراً استراتيجياً بين آسيا واوروبا، وواحداً من أهم المعابر البحرية في العالم، حيث يمرّ حوالي 10 في المئة من حركة التجارة العالمية و22 في المئة من الحاويات.

اذاً قناة السويس اضافت الكثير الى أهمية مصر الجيوستراتيجية. ومنذ ذاك الوقت راحت تتنافس القوى العظمى للسيطرة عليها ولإقامة افضل العلاقات معها بعد ثورة 1952. وتجدر الإشارة الى ان القناة زادت من الاهمية الجيوسياسية للبحر الأحمر ايضاً. فهو كان بحراً مغلقاً له «فتحة» صغيرة جنوباً على المحيط الهندي في مضيق «باب المندب». ولكن القناة جعلت منه صلة الوصل بين المحيط والبحر المتوسط. من هنا حرص الانكليز في الماضي (عندما كانت لهم سيطرة شبه مطلقة على المحيطات والبحار والممرات البحرية) على تأمين الملاحة فيه. واليوم تقوم بوارج الأسطول الأميركي الخامس بهذه المهمة.

لا شك في أن افتتاح «القناة الجديدة» اليوم حدث كبير. فهو سيضاعف قدرتها الاستيعابية (من 49 الى 97 باخرة يومياً). ولكنه لن يضيف الى اهمية مصر الجيوسياسية الكثير. كما لا يشكّل اولوية كمشروع استثماري، بحسب خبراء، لبلد يعاني من حالة ركود اقتصادي وتراجع في النمو ونسبة بطالة مرتفعة… ويواجه تحدّيات أمنية غير مسبوقة. برغم ذلك وإدراكاً منها لهذه المشاكل كلها، اتّخذت القيادة المصرية الجديدة فور وصولها الى الحكم القرار بتوسيع قناة السويس. لماذا؟

يفيد مصدر مصري مطّلع بأن القرار اتّخذ لأسباب ثلاثة: الأول قومي يهدف الى تحويل انظار المصريين نحو مشروع وطني جامع يخفّف من حال الانقسام التي يشهدها الشارع المصري منذ ثورة 25 يناير 2011. السبب الثاني اقتصادي يهدف الى زيادة دخل القناة من 5.3 مليار دولار سنوياً الى 13 ملياراً في العام 2020. فتوسيع القناة سيسمح بعبور عدد أكبر من السفن يومياً. وبالتالي سيزيد من دخل القناة. كما سيتمّ تشييد موانئ لتأمين الصيانة والخدمات للسفن العابرة، إضافة الى إقامة مدن صناعية ومزارع لتربية الأسماك ومساحات زراعية جديدة. كل هذه المشاريع ستؤمّن فرص عمل لحوالي مليون مصري خلال الخمسة عشر عاماً المقبلة. أما السبب الثالث لتوسيع القناة، يضيف المصدر المصري، فهو تكريس موقع مصر على الخريطة الإقليمية والعالمية بعد تراجع دورها الإقليمي منذ عقود، وبخاصة بعد الثورتين الأخيرتين وسقوط نظامين في غضون أربع سنوات. والسؤال اليوم، هل ستحقّق «القناة الجديدة» هذه الأهداف؟

الهدف الأول تحقّق بنسبة عالية. فقد تهافت المصريون الى تمويل المشروع الذي تجاوزت كلفته 8 مليارات دولار عبر شراء «شهادات الاستثمار». ولا عجب في ذلك كون قناة السويس مفخرة للشعب المصري، بخاصة بعد تأميمها في العام 1956، والاستثمار فيها سيكون رابحاً. كما نجح النظام في كسب التحدّي تجاه المجتمع المصري والعالم بتنفيذ المشروع في سنة واحدة. اقتصادياً، لا شك في أن دخل القناة سيزيد. ولكنه لن يتضاعف كما تتوقّع ادارتها لأن حجم التجارة العالمية بين الشرق والغرب وعدد البواخر العابرة للقناة لن يتضاعف بمجرّد توسيعها. أما حضور مصر على خريطة المنطقة والعالم فهو مهم تاريخياً بحكم موقعها الجغرافي، ولا ينقصه سوى الاستقرار الأمني الداخلي والنهوض الاقتصادي ليتمكن فيما بعد من الاضطلاع بدوره الإقليمي الذي تحتاجه المنطقة العربية. وهي تحدّيات كبرى للنظام المصري. على المستوى الداخلي، تعاني مصر من أوضاع امنية خطيرة. فمنذ الإطاحة بنظام الرئيس «الاخواني» محمد مرسي، تشن جماعة «الاخوان المسلمين» حرباً بلا هوادة ضد النظام. وفي سيناء تشكّل إمارة «انصار بيت المقدس» على الحدود مع قطاع غزة تحدّياً كبيراً للجيش المصري. فالإسلاميون يستعملون الإنفاق ذات الفتحات المخفية للتواصل مع القطاع ولمهاجمة وحدات الجيش، ما اضطر هذا الأخير الى شن حرب ضدهم يستعمل فيها انواع الأسلحة كافة بما فيها الطيران الحربي. وسيقوم بحفر قناة بعمق الكيلومتر تقريباً تمتد من البحر حتى الحدود مع اسرائيل لإلغاء خطر الأنفاق. كما نجحت جماعة «الاخوان» في توجيه ضربات موجعة للنظام في قلب العاصمة، كان ابرزها اغتيال النائب العام هشام بركات. وقام «أنصار بيت المقدس» بتدمير فرقاطة تابعة للجيش المصري في عرض البحر الأبيض المتوسط، قبل نحو شهر من الاحتفال بتدشين «القناة الجديدة» بهدف إبراز الوضع الأمني الهشّ في مصر.

على الصعيد الاقتصادي التحدّيات أيضاً كبيرة وحجم المساعدات والاستثمارات الخارجية تبقى دون المستوى المطلوب. المساعدات الخليجية، على أهميتها (حوالي 25 مليار دولار)، لم تكن بالسخاء المتوقّع من قبل المصريين. كما أن مؤتمر «مصر المستقبل»، الذي عقد في شرم الشيخ في شهر آذار الفائت، برغم نجاحه السياسي والتنظيمي، لم يلبّ حاجات مصر من الاستثمارات. فالرئيس المصري اعلن عن حاجة مصر الى ما بين 200 و 300 مليار دولار للنهوض اقتصادياً. ولكن المؤتمر أتى بحوالي 140 مليار دولار. منها 50 مليار عقود مبرمة بدأ تنفيذها. أما الباقي فهو عبارة عن وعود ومذكرات تفاهم تحتاج الى إبرامها في اتفاقيات وعقود استثمارية ليستفيد منها الاقتصاد المصري، ويبدو أن العديد منها تأخّر بسبب الاوضاع الامنية في البلاد. كما يشكّل الفساد المستشري في الادارة العامة الموروثة من نظام حسني مبارك عائقاً إضافياً. إذ أشار تقرير منظمة «Global Financial Integrity» العالمية إلى أن مصر خسرت حوالي 6 مليارات دولار بين العامين 2002 و 2008 بسبب الفساد. كما حلّت في المرتبة 118، بين 176 دولة، من حيث نسبة الفساد فيها بتراجع 6 درجات، وذلك في تقرير سنوي أعدتّه منظمة «Transparency International» للعام 2012.

اليوم سيقف الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إلى جانب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في حفل تدشين «القناة الجديدة»، كما وقفت منذ 146 عاماً الامبراطورة الفرنسية «اوجين» الى جانب الخديوي اسماعيل في تدشين «القناة الأولى». وسيفوق الحضور السياسي والديبلوماسي حفل التدشين الأول ليس فقط لسهولة المواصلات، إنما لدعم النظام المصري الجديد. وبفضل «الثورة التكنولوجية»، ستؤمَّن تغطية إعلامية تفوق بإضعاف تلك التي حظِي بها الافتتاح الأول الذي أتى في عصر «الثورة الصناعية». وسيتحقّق حلم Guiseppe Verdi بعرض رائعته «اوبرا عايده» في حفل الافتتاح. فتأجيل العرض لأسباب تقنية لم يعد مسموحاً في عصرنا. ولكن السؤال ماذا بعد الاحتفال؟ وهل ستتحقّق الآمال الموعودة من توسيع القناة في ظل حال اللاستقرار الذي تشهده مصر، واحتدام الحروب التي تشهدها المنطقة بخاصة بالقرب من باب المندب الذي يشكّل مدخلاً لقناة السويس؟

خبر عاجل