لنا الـ 7 ولهم لهيب آب…

ما قبل هذا تاريخ 7 آب 2001 كنا معتادون على الاستدعاءات والاعتقالات، في هذا التاريخ ادركنا ان اتجاه الريح بدأ يتغير، بعد هذا التاريخ اكملنا المشوار صعوداً … الى الحرية.

في ذاك اليوم كنا نتلقى محاضرات عن تاريخ لبنان والمقاومة اعدتها مصلحة طلاب القوات اللبنانية مع من كان يجرؤ من اصحاب الفكر كمثل الرفيقين د. أنطوان حبشي والأستاذ مخايل عواد…

كنا يومها في المكتب نتلقى الحصة الثانية من محاضرة حين سمعنا ضوضاء كبيرة ليتبين لنا انها صادرة عن آليات لـ”مكافحة” الجيش وما هي ثوانٍ حتى دُفع باب المكتب ليطل منه ضابط يحمل مسدسه في العالي يرافقه عناصر، ويقول:” ما حدا يتحرك” ليعود ويضيف: “كلكن وجهكن عل حيط” وعندما حاول احد الرفاق الاستدارة اكل نصيبه بعنف”.

لم نكن نرى شيئاً في تلك اللحظة، الا اننا كنا نسمع ضجيج تكسير وبعثرة في ارجاء المكتب وبعد قليل بدأت عملية ربط ايدينا وراء ظهورنا حيث تم اقتيادنا مكبلين الى الآليات التي كانت تنتظرنا في مرآب المكتب.

في هذه الأثناء حصل معي امر لم افهمه حتى اليوم، احد العناصر تقدم نحوي قائلاً: “حاطط مسبحة عاملينلي حالكن قديسين”، وبادر الى انتشال المسبحة التي كنت اضعها حول عنقي بعنف لا يوصف قد خلف اثاراً حمراء ومن ثم رماها ارضاً  ليعود فيأتي عنصراً آخر ليقول “له يازلمي شو عملت”، واعاد المسبحة الى جيبي وفي تلك اللحظ احسست بركلةٍ قوية كانت كفيلة بتطييري عدة درجات واصطدامي بالحائط المقابل. كان ممنوع علينا النظر وكان العنصر الذي يقودني على الدرج يتسلى بي فيقول لي مثلاً: “عل يمين” حين يجب ان اتجه يساراً فاصطدم بالحائط.

بعدها كدسونا كأكياس النفايات في الآلية العسكرية، رموا فوقنا الأغراض المصادرة من المكتب وارغمونا على الانحناء الشديد كي لا تظهر رؤوسنا وكانوا يضربون بأعقاب البنادق كل من يعلو رأسه فوق المعدل المطلوب.

في الألية كانت السرعة جنونية وعلى كل مفترق كانت تعلو اصوات انيننا لما كانت تسببه “الرباطات” والكلبشات المشدودة جداً من وجع في ايدينا…

بعد وقت قليل وصلنا الى وزارة الدفاع لنتفاجأ بوجود د.توفيق الهندي ورئيس مصلحة الطلاب سلمان سماحة الذي كان قد سلم نفسه طوعاً وبشجاعة كبيرة  قائلاً: “انا المسؤول عن الشباب… خذوني”، ليعود وينضم الينا الاستاذ ايلي كيروز ، عندها أدركنا ان هذه المرة “قصة كبيرة”… كان المطلوب ضرب الحركة السيادية عبر ضرب عصبها الشبابي وتركيب سيناريوهات تهم بالعمالة والتحضير لعمليات امنية ليلصقوها بالقياديين… وكانوا قد انقضوا ايضاً على مكتب شباب “التيار الوطني الحر” في نفس الوقت… حينها كان بيننا اعلان نوايا غير مكتوب عنوانه “حرية ، سيادة ، استقلال”…

في الزنزانات الصغيرة كان الحر شديداً والرطوبة لا تطاق والعدد كبير جداً لدرجة ان الأرض تبللت من عرقنا ولا انسى كيف صرنا نتداور لاستنشاق الهواء من طاقة منور… حتى انني غسلت وجهي بمياه “السيفون”  لشدة الرطوبة والحر…

بعد خروجي من السجن اتصل بي الشهيد رمزي عيراني، وبعد:” الحمدالله على السلامة” دعاني الى اجتماع دائرة الجامعة اللبنانية التي كان يترأسها وكنت عضواً فيها والمفارقة هي في مكان الاجتماع حيث كان في الباحة الخارجية لمطعم burger king على اوتوستراد جل الديب في رسالة واضحة بأننا مستمرون ولن يردعنا شيء…

واثناء الاجتماع تلقى رمزي اتصالاً من مسؤول مخابراتي يهدده قائلاً: شو مفكر حالك فيك تظمط منا ؟؟ ساعة الي بدنا منوصلّك حتى لو كنت مخبى بتتخيتة بيتك ومنحطك حد صاحبك سلمان سماحة”.

وكان جواب رمزي لافتاً بجرأته وبطولته حين قال له وبحديّة: “ما خصّك ما خّصك …. نحنا مكملين والي فيك تعملو عملو…”.

7 آب و 9 آب يوم تم الاعتداء على رفاقنا المتظاهرين سلمياً أمام قصر العدل في بيروت، هي محطات صغيرة من محطات كثيرة تعرض خلالها رفاقنا خصوصاً من خاضوا مرحلة المقاومة العسكرية لأبشع انواع التنكيل والتعذيب، إلا ان ميزتها انها اتت بتوقيت سمح بأن يظهر للعلن غيض من فيض ممارسات النظام الامني السوري – اللبناني المشترك…

وبعد مرور السنين بقي لنا ولقضيتنا رقم 7 علامة الانتصار، اما من خطط ودبر ونكل بالمناضلين طوال سنين عدة فلم يبق له سوى لهيب شهر آب…

طوني درويش

رئيس جهاز الشهداء والمصابين والأسرى

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل