
رأت مصادر وزارية ونيابية لـ”الحياة”، ان الموقف الذي أعلنه أخيراً أمين سر تكتل “التغيير والإصلاح” النائب إبراهيم كنعان من أن التمديد للقيادات الأمنية والعسكرية مرفوض مبدئياً من التكتل والذي أراد منه العودة بموقفه إلى المربع الأول أي نقطة الصفر التي سبقت دورة المشاورات التي سبقت جلسة مجلس الوزراء والتي تعامل معها العماد عون إيجابياً من خلال ما قاله جريصاتي. وبعيداً من اللغط الذي يراد منه حجب الأنظار عن كل هذه الوقائع – كما تقول المصادر نفسها، فإن عون لم يرفض في المبدأ التمديد للعميد روكز مع أنه عارضه في السابق واعتبر في أكثر من موقف أن وجود العماد قهوجي على رأس المؤسسة العسكرية غير قانوني وغير شرعي، وإلا ما الدافع الذي أملى على المدير العام للأمن العام اللواء الركن عباس إبراهيم التحرك في كل اتجاه قبل أن يحط في عين التينة ويلتقي رئيس المجلس النيابي نبيه بري بحثاً عن مخرج لهذه التعيينات لتفادي إقحام البلد في مزيد من التأزم.
ماذا طرح اللواء إبراهيم؟
إبراهيم قام بمبادرة رغبة منه في قطع الطريق على تصاعد منسوب التوتر السياسي، لكنه – وفق المصادر عينها – لم يتحرك من تلقاء نفسه، بحثاً عن دور له وإنما بادر إلى استكشاف الأجواء المحيطة بالتعيينات العسكرية والأمنية قبل أن يتوصل إلى بلورة مجــموعة من الأفكار جرى التداول فيها.
وعلمت “الحياة” أن إبراهيم بحث مع بري في مخارج عدة أبرزها رفع سن التقاعد للعسكريين الذي يحتاج إقراره إلى عقد جلسة تشريعية، سواء عبر فتح دورة استثنائية للبرلمان، أم بالتريث إلى حين بدء الدورة العادية في أول ثلثاء بعد 15 تشرين الأول المقبل.
وحرص بري، كما تقول المصادر – على إعطاء إبراهيم الوقت الكافي للاستماع إلى هذا المخرج الذي طرحه عليه، وهنا اقترح احتمال فتح دورة استثنائية لا يعترض “تكتل التغيير” على فتحها للبحث في أمور عالقة أخرى.
موقف بري
وكان بري صريحاً في إجابته على ما طرحه إبراهيم وقال له «فليوقّع تكتل التغيير» على مرسوم فتح الدورة وبعدها لكل حادث حديث من دون أن يغيب استحضار موقف قيادة الجيش من رفع سن التقاعد. ليس لأنه مكلف مالياً فحسب بل لأنه يؤدي إلى مزيد من التضخم في صفوف كبار الضباط وتحديداً ممن هم برتبة عميد لأن القيادة غير قادرة على استيعابهم وإنما يمكن أن يؤخذ به بعد سنوات ريثما تكون تمكنت من إعادة النظر في الهيكلية التنظيمية للمؤسسة العسكرية لتصبح قادرة على الإفادة منهم، لا سيما أن العماد قهوجي كان وراء إعطاء حوافز لكبار الضباط من أجل التقاعد المبكر للتخفيف من “التخمة” وبالتالي يترك القرار له فهل يوافق على ما كان سعى من أجل التخفيف منه.
وتبين أيضاً من خلال المشاورات أن عون يدفع في اتجاه رفع سن التقاعد باعتباره المخرج القانوني الوحيد لبقاء العميد روكز في الخدمة العسكرية على أن يقر القانون في هذا الخصوص من خلال فتح دورة استثنائية للبرلمان لأن تأخيره إلى حين بدء العقد العادي لن يستفيد منه روكز الذي يحال على التقاعد في 15 تشرين الأول المقبل لبلوغه السن القانونية.
كما جرى البحث – وفق المصادر – في بدائل أخرى في حال تعذر فتح دورة استثنائية للبرلمان ومنها تأجيل تسريح الضباط برتبة عميد يعني ان هذا الاقتراح هو الوجه الآخر لرفع سن التقاعد على أن يقتصر على العمداء في الجيش، اضافة الى طرح فكرة أخرى تقوم على اعادة النظر في ملاك الضباط ممن هم في رتبة لواء بما يسمح توسيعه ليشمل ترقية عدد من الضباط من بينهم العميد روكز الذي يمدد له سنة تلقائياً لأن من يحمل هذه الرتبة يتقاعد بعد بلوغه سن الـ 59 عاماً.
وطرح من أجل تسويق مثل هذا الاقتراح أن تأتي ترقية عمداء الى رتبة لواء متوازنة طائفياً وأن تكون محصورة بمن يشغلون مناصب مميزة في الجيش وسبق لهم وحققوا انجازات أمنية وعسكرية، علماً أن مثل هذا الاقتراح يستدعي اعادة النظر بتركيبة المجلس العسكري الذي يرأسه العماد قهوجي علماً أن لا ضابط مارونياً في الجيش منذ عام 1992 يحمل رتبة لواء.
لذلك، يمكن فهم الأسباب التي أملت على عون التريث الى اليوم “ليبق البحصة” من دون أن يبادر أحد من «تكتل التغيير» الى الانخراط في حملة سياسية منظمة ضد تأجيل تسريح الضباط الثلاثة، ما عدا بعض المواقف التي يراد منها تسجيل موقف من دون أن تؤثر في سير المشاورات.
على ماذا راهن عون؟
وفي هذا السياق تعزو مصادر نيابية ووزارية تأخر عون في كشف موقفه الى اليوم الى انه كان يراهن على انضاج تسوية تبين له لاحقاً أن هناك صعوبة في الوصول اليها، مع ان وفد “حزب الله” في الجلسة الحوارية الأخيرة مع «المستقبل»، في حضور المعاون السياسي لرئيس البرلمان وزير المال علي حسن خليل، كان طرح مسألة رفع سن التقاعد للعسكريين لكنها لقيت اعتراضاً من شريكه في الحوار لأسباب ادارية ومالية نظراً الى ما يترتب عليها من أعباء اضافية على خزينة الدولة وأيضاً تنظيمية ستؤدي حتماً الى “تخمة” في الضباط برتبة عميد في وقت يعمل قائد الجيش لمعالجتها.
ولم يلق الاقتراح الذي رفضه “المستقبل” دفاعاً مستميتاً من “حزب الله”، وكأن الأخير حرص على القيام بواجبه حيال حليفه الإستراتيجي عون من دون أن يظهر انه يعد العدة للوقوف الى جانبه بلا تحفظ برد فعله إذا ما دعا جمهوره للنزول الى الشارع احتجاجاً على قرار نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع الوطني سمير مقبل تأجيل تسريح قهوجي وسلمان وخير فيما مصير العميد روكز لا يزال يتأرجح بين أخذ ورد، على رغم تقدير الجميع لقدراته العسكرية ومناقبيته وتحميل بعضهم عون مسؤولية حشره عندما بادر الى طرحه كمرشح لقيادة الجيش خلفاً لقهوجي.
كما إن عون أخطأ، ليس بطرح روكز لخلافة قهوجي، وإنما لأن صاحب هذا الطرح يتموضع في الموقع السياسي إلى جانب “حزب الله” الذي لن يشاركه في التصعيد وقد يكتفي بمواقف من باب رفع العتب لدعم حملاته السياسية والإعلامية من دون الانخراط في لعبة الشارع.